تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
غضب الطلاب يتحول إلى أزمة دولة
الاحتجاجات في فرنسا تتصاعد.. من مقاعد الدراسة إلى أبواب الإليزيه
ومع تصاعد الاحتجاجات، علّقت فرنسا الدراسة كلياً أو جزئياً يوم الاثنين في 400 إلى 500 مدرسة ثانوية، فيما تضررت 24 مؤسسة جراء الحرق أو التخريب وأصيب 78 من العاملين في قطاع التربية.
وهنا يجب التمييز بين سؤالين: لماذا خرج الطلاب أصلًا؟ ولماذا تحولت احتجاجاتهم لاحقًا إلى مواجهة سياسية وأمنية؟ فاختزال الاحتجاج منذ بدايته في الصراع بين الحكومة والمعارضة يخفي أسبابه الاجتماعية والتعليمية.
أزمة التعليم وراء الشرارة الأولى
ارتبطت بداية الاحتجاج بأوضاع التعليم نفسها. فقد تحدث الطلاب عن نقص المدرسين وعدم تعويض الغائبين، واكتظاظ الفصول، ونقص الطاولات والكراسي، وتدهور بعض المباني المدرسية، إلى جانب ضغط الجداول الدراسية وطول ساعات الدراسة. كما برز نظام القبول الجامعي « Parcoursup » باعتباره مصدرًا إضافيًا للقلق، نظرًا إلى ارتباطه بمستقبل الطلاب بعد الثانوية. لكن المشكلة تتجاوز ظروف الدراسة اليومية إلى الشعور بعدم المساواة. فقد انطلقت الاحتجاجات بقوة من مناطق شعبية في ضواحي باريس، حيث يرى كثير من الطلاب أن المدرسة، التي يفترض أن تكون وسيلة لتحقيق تكافؤ الفرص، لا توفر دائمًا الظروف نفسها الموجودة في المناطق الأكثر ثراءً. لذلك يمكن فهم الشرارة الأولى للاحتجاج باعتبارها أزمة ثقة بين الطلاب والمؤسسة التعليمية والدولة؛ فالطالب الذي يدرس في فصل مكتظ أو يواجه نقصًا في المدرسين يرى هذه المشكلات بوصفها مرتبطةً مباشرة بمستقبله.
من المدرسة إلى الشارع
سرعان ما تجاوزت المطالب حدود المدرسة، لتصل إلى قضايا العدالة الاجتماعية والفرص المتساوية ووضع الضواحي. وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصًا TikTok، في تسريع انتشار التحركات، إذ أصبحت الدعوات إلى إغلاق المدارس وتنظيم الاحتجاجات تنتقل بين المناطق خلال ساعات.
ومنحت وسائل التواصل الحركة قدرة على الانتشار من دون قيادة مركزية واضحة، ما جعل التفاوض معها أكثر صعوبة، إذ لم يكن للحكومة طرف واحد يمكنها التعامل معه أو التوصل معه إلى اتفاق.
عندما دخلت السياسة على خط الاحتجاج
مع اتساع الحركة، أصبحت جزءًا من المشهد السياسي الفرنسي، خصوصًا في ظل الضغوط المرتبطة بالإنفاق العام والموازنة واقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
ودخلت المعارضة، وخصوصًا فرنسا الأبية (LFI)، على خط الاحتجاج، مقدمةً التحركات باعتبارها تعبيرًا عن التفاوت الاجتماعي وأوضاع الخدمات العامة. في المقابل، اتهمت الحكومة وخصوم اليسار الراديكالي بعض السياسيين بمحاولة استغلال الحركة وتوجيهها سياسيًا. لكن دخول الأحزاب على خط الاحتجاج لا يعني أنها صنعت أسبابه، فالمطالب التعليمية سبقت التدخل السياسي، قبل أن يمنحها الصراع الحزبي بُعدًا جديدًا. فقد تزامنت تحركات الطلاب مع معركة موازنة 2027، لتتقاطع المطالب التعليمية مع خلاف أوسع حول أولويات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية. ومع دخول فرنسا الأبية بقوة على خط الاحتجاج، اتسعت المواجهة لتشمل صراعاً على تفسير الغضب نفسه؛ فبينما تقدم المعارضة التحركات بوصفها تعبيراً عن أزمة اجتماعية متفاقمة، تتهمها الحكومة بمحاولة توظيفها سياسياً، وهو ما تنفيه الحركة والحزب.
وأمام هذا المشهد، يجد الرئيس الفرنسي ماكرون نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية: الاستجابة للمطالب قد تُقرأ كتراجع أمام ضغط الشارع، بينما قد يؤدي تشديد الرد الأمني إلى تعميق شعور جزء من الشباب بأن الدولة تتعامل معهم باعتبارهم مشكلة أمنية لا أصحاب مطالب اجتماعية وتعليمية. وبين الخيارين، تتحول المدارس من مجرد ساحات للاحتجاج إلى واجهة لصراع أوسع حول صورة السلطة وقدرتها على احتواء الغضب الاجتماعي قبل أن يتحول إلى أزمة سياسية تتجاوز جدران المؤسسات التعليمية.
بين مطالب الطلاب والرد الأمني
ومع انتقال بعض التحركات إلى إغلاق الطرق والاشتباكات مع الشرطة، دخلت الاحتجاجات مرحلة أكثر حساسية، خصوصًا مع مشاركة قاصرين في بعض التحركات.
فقد أثارت تقارير حول توقيف بعض الطلاب وطريقة التعامل معهم انتقادات وتساؤلات بشأن مدى تناسب الإجراءات الأمنية مع طبيعة الاحتجاج وأعمار المشاركين.
وهنا أصبح الخلاف يتجاوز المطالب التعليمية نفسها: فبينما تؤكد الحكومة حق التظاهر ورفض العنف والتخريب، يرى منتقدوها أن التركيز على الجانب الأمني قد يحجب الأسباب التي دفعت الطلاب إلى الاحتجاج.
العنف من الشارع إلى مواجهة الدولة
كان انتقال بعض الاحتجاجات إلى العنف نقطة تحول أساسية. فقد شهدت مناطق عدة إحراق حاويات وقطع طرق ومواجهات مع الشرطة، كما أثارت تصريحات منسوبة إلى أحد المشاركين حول«إحراق الإليزيه» جدلًا واسعًا، خصوصًا لأنها عكست انتقال الخطاب لدى بعض المشاركين من التعبير عن الغضب والاحتجاج إلى الحديث عن استهداف رموز ومؤسسات الدولة. لكن العنف لم يكن مقتصرًا على جانب المحتجين في النقاش العام؛ إذ أثار التدخل الأمني للدولة، بما في ذلك توقيف قاصرين واستخدام القوة في مواجهة بعض المتظاهرين، انتقادات حول مدى تناسب الرد مع طبيعة الاحتجاج. ولا يعني ذلك تبرير التخريب أو الاعتداء على الشرطة، كما لا يعني تجاهل حق الدولة في حماية الأشخاص والممتلكات. غير أن تحول الاحتجاج إلى مواجهات في الشارع، وتحول الرد الأمني إلى ملف سياسي بحد ذاته، جعلا الأزمة تتجاوز قضية التعليم لتصبح اختبارًا لقدرة الحكومة على إدارة الغضب الاجتماعي. ومع اتساع التحركات ودخول النقابات والقوى السياسية على الخط، أصبحت كل مواجهة جديدة ترفع الكلفة السياسية على الحكومة، بينما يزداد الجدل حول ما إذا كانت السلطة تعالج أسباب الاحتجاج أم تكتفي بإدارة نتائجه أمنيًا.
المدرسة مرآة لأزمة أوسع
تكشف الاحتجاجات أن أزمة المدارس أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول دور الدولة والعدالة الاجتماعية وأوضاع الضواحي. فالمدرسة بالنسبة إلى هؤلاء الطلاب ليست مجرد مكان للدراسة، بل المجال الذي يختبرون فيه عمليًا مدى المساواة التي تتحدث عنها الجمهورية الفرنسية.
ولهذا لا تبدو الأزمة قابلة للاختزال في إغلاق المدارس أو إعادة الهدوء إلى الشوارع. فالمطالب المتعلقة بالمدرسين والمباني والظروف التعليمية تعكس أسئلة أوسع حول موقع الشباب في المجتمع، وحول ما إذا كانت الدولة قادرة على تقديم الخدمات التي يراها هؤلاء حقًا أساسيًا لهم.
أزمة ثقة تتجاوز جدران المدرسة
لا يبدو أن الأزمة قابلة للاختزال في مجرد «شغب طلابي»، كما لا يمكن تبرير أعمال العنف باعتبارها تعبيرًا مشروعًا عن الغضب. فالتحدي أمام الحكومة لا يتعلق فقط بإنهاء الاحتجاجات، بل بمعالجة الظروف التي أطلقتها. فالتهدئة الأمنية قد توقف المواجهات، لكنها لا تحسم بالضرورة مشكلات التعليم والتفاوت والقلق بشأن المستقبل. وفي النهاية، سيبقى اتساع الأزمة أو احتواؤها مرتبطًا بقدرة السلطة على معالجة الغضب الذي خرج أصلًا من داخل الفصول الدراسية، لا الاكتفاء بإدارة تداعياته في الشارع.
