أملاً لمرضى السرطان..

تقنية حيوية إيرانية جديدة لإنتاج دواء «باكليتاكسيل»

/ في خطوة علمية واعدة، قدّم فريق من الباحثين الإيرانيين تحليلاً معمقاً لآليات إنتاج عقار «باكليتاكسيل» (Paclitaxel)، واضعين بذلك خارطة طريق قد تقود إيران نحو الاكتفاء الذاتي في إنتاج أحد أكثر أدوية العلاج الكيميائي تعقيداً في العالم.
ويُعدّ عقار «تاكسول»، المعروف طبياً بـ«باكليتاكسيل»، منذ تسعينيات القرن الماضي، شريان حياة للكثير من مرضى سرطان الثدي والمبيض والرئة. ومع ذلك، لطالما شكل التركيب البيوكيميائي المعقد لهذا المركب -الذي يندرج ضمن «الديتربينويدات»- تحدياً لوجستياً وتقنياً كبيراً للمصنعين في مختلف أنحاء العالم. وفي هذا السياق، قاد الدكتور مهدي محمودي، من قسم العلوم الزراعية وتحسين النباتات بجامعة طهران (كلية أبوريحان للتكنولوجيا الزراعية)، وفريقٌ بحثي دراسة شاملة نُشرت في الدورية العلمية الإيرانية «السلامة الحيوية» (Biosafety). وقد بحث الفريق بدقة المسارات الحيوية والتكنولوجية لإنتاج هذه المادة القيمة، في محاولة لرسم رؤية استشرافية واضحة لمستقبل توطين صناعة هذا الدواء الحيوي في البلاد.
طريق مسدود للاستخراج التقليدي.. وضرورة ملحة لتغيير النهج
كان عقار «تاكسول « يُستخرج في بادئ الأمر من لحاء أشجار «الطقسوس» (جنس Taxus)، إلا أن نتائج دراسة باحثي جامعة طهران تؤكد أن هذا الأسلوب يفتقر إلى الاستدامة بشكل كامل؛ إذ إن الحصاد الجائر لهذه الأشجار النادرة لا يؤدي فقط إلى انحسارٍ حاد في الموائل الطبيعية، بل يضع أنواعاً نباتية ثمينة على حافة الانقراض.
من جهة أخرى، أوضحت الدراسة أن طرق التصنيع الكيميائي الكامل في المختبرات تعاني من تدنٍ كبير في كفاءة الإنتاج، وذلك بسبب التعقيد الهيكلي لجزيء «تاكسول»، مما يجعلها غير مجدية اقتصادياً لصناعة الأدوية. حتى أساليب «شبه التصنيع» (Semi-synthesis) الرائجة حالياً، لا تزال مرهونة بتوفر السلائف النباتية، مما يعني أنها لم تنجح في تقديم حل جذري وشامل لمعضلة تأمين المواد الأولية.
ثورة التكنولوجيا الحيوية.. من الهندسة الوراثية إلى المفاعلات الحيوية
يؤكد الباحثون في جامعة طهران أن المفتاح الرئيسي لاستدامة إنتاج هذا العقار في إيران يكمن في الاعتماد على تقنيات التكنولوجيا الحيوية الحديثة. ويُعد استخدام «المفاعلات الحيوية» (Bioreactors) لزراعة الخلايا النباتية في ظروف خاضعة للرقابة الكاملة، أحد أكثر المسارات واعدةً؛ فهذه التقنية لا تضاعف سرعة الإنتاج فحسب، بل تضمن أيضاً الحصول على منتج متجانس وعالي النقاء. علاوة على ذلك، طرحت الدراسة استراتيجيات متطورة أخرى، منها توظيف أدوات «الهندسة الوراثية « المتقدمة، مثل تقنية «كريسبر» (CRISPR) للتلاعب بالجينات المسؤولة عن مسارات تصنيع الدواء، بالإضافة إلى الاستفادة من «الفطريات الداخلية» (Endophytic fungi) التي تمتلك القدرة الطبيعية على إنتاج «باكليتاكسيل «. وتتيح هذه التقنيات للباحثين مراقبة دقيقة لعملية الإنتاج، مما يفتح آفاقاً لإنهاء الاعتماد على الموارد الطبيعية النادرة بشكل نهائي. يؤكد هذا الإنجاز العلمي أن الخبراء الإيرانيين، ومن خلال إدراكهم العميق للتحديات البيئية والاقتصادية، يضعون اليوم أسس نظامٍ يضمن صحة المرضى والحفاظ على البيئة في آنٍ واحد.
البحث
الأرشيف التاريخي