تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
أوروبا تحت ضغط ترامب..التجارة والدفاع يعيدان تشكيل العلاقات الأطلسية
الضغوط التجارية وإعادة تشكيل العلاقة الاقتصادية
على الصعيد الاقتصادي، كثّفت إدارة ترامب ضغوطها على الاتحاد الأوروبي عبر التهديد برفع الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات الأوروبية، الأمر الذي دفع الأوروبيين إلى تسريع المفاوضات بشأن «اتفاق تورنبيري» التجاري مع الولايات المتحدة. ويهدف الاتفاق إلى تجنب حرب تجارية واسعة قد تضرب قطاعات الصناعة الأوروبية، خصوصاً قطاع السيارات الذي يُمثل أحد أعمدة الاقتصاد في دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. وبموجب الاتفاق، يلتزم الاتحاد الأوروبي بإلغاء جزء كبير من الرسوم الجمركية على السلع الأميركية، إلى جانب استثمارات ضخمة داخل الولايات المتحدة وشراء كميات هائلة من الطاقة الأميركية في السنوات المقبلة. وفي المقابل، وافقت واشنطن على وضع سقف محدد للرسوم المفروضة على الصادرات الأوروبية. إلاّ أن هذا الاتفاق أثار انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، إذ رأت بعض القوى السياسية أنّ أوروبا تُقدّم تنازلات اقتصادية كبيرة تحت ضغط التهديدات الأميركية، فيما اعتبر آخرون أنّ الاتفاق ضروري لتجنب خسائر اقتصادية أكبر.
كما حاول الأوروبيون تضمين الاتفاق أدوات حماية قانونية تسمح بإعادة فرض الرسوم في حال ألحقت الصادرات الأميركية ضرراً بالأسواق الأوروبية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن في العلاقة الاقتصادية مع واشنطن.
إعادة هيكلة الدور العسكري الأميركي في أوروبا
بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية، بدأت الولايات المتحدة بإعادة صياغة وجودها العسكري داخل القارة الأوروبية. فقد أعلن البنتاغون تقليص عدد القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا، وسحب آلاف الجنود من قواعدٍ رئيسية، خاصةً في ألمانيا، إضافة إلى إلغاء نشر وحدات عسكرية جديدة في بولندا.
وتُبرر إدارة ترامب هذه الخطوات بضرورة أن تتحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن أمنها ودفاعها، بعد عقود من الاعتماد على الحماية العسكرية الأميركية. كما تسعى واشنطن إلى إعادة توجيه قدراتها العسكرية نحو أولويات استراتيجية أخرى حول العالم، خصوصاً في منطقة آسيا.
غير أنّ هذه التوجهات أثارت مخاوف أوروبية متزايدة من تراجع الالتزام الأميركي بأمن القارة، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات الدولية.
غرينلاند.. البُعد الجيوسياسي للصراع الجديد
إلى جانب الملفات الاقتصادية والعسكرية، برزت جزيرة غرينلاند بوصفها محوراً جديداً للتنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وأوروبا. فالإدارة الأميركية تسعى إلى توسيع نفوذها العسكري والاقتصادي في الجزيرة التابعة للدنمارك، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي واحتياطاتها الضخمة من النفط والمعادن النادرة واليورانيوم.
وفي هذا الإطار، تجري واشنطن مفاوضات مع الدنمارك وحكومة غرينلاند لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية والاقتصادية في الجزيرة، بالتزامن مع تحركات عسكرية أميركية لتوسيع القواعد والموانئ والبُنية العسكرية هناك. كما تسعى الولايات المتحدة إلى منع روسيا والصين من تعزيز نفوذهما داخل المنطقة القطبية. لكن هذه التحركات تواجه رفضاً واضحاً داخل غرينلاند، إذ تخشى القوى السياسية المحلية من تحويل الجزيرة إلى أداة في مشروعٍ أميركي أوسع، بما يُهدد طموحات الاستقلال التدريجي عن الدنمارك. وقد ظهرت هذه المعارضة في الزيارات الأميركية الأخيرة التي قوبلت ببرودٍ سياسي وشعبي.
ختاماً تكشف سياسات ترامب تصاعد الضغوط على أوروبا اقتصادياً وعسكرياً، وسط سعي أميركي لإعادة صياغة التحالفات وفق المصالح المباشرة.
