مرتكزات الحركة الثورية للإمام الخميني(رض).. من المنظور العرفانيّ وإلاسلاميّ
إنّ الركائز التي استندت إليها حركة الإمام الخميني(رض) في صياغة الثورة الإسلامية، تجاوزت مجرد التحليلات السوسيولوجية أو السياسية البحتة؛ إذ كانت ضاربة في أعماق أسسه العرفانية، والفلسفية، والكلامية، والفقهية. ويعتمد التحليل الدقيق لهذا السند العرفاني والإسلامي على مفاهيم بنيوية في فكره، نوجزها فيما يلي:
1.المباني العرفانية والفلسفية: التوحيد الخالص ونفي سلطة غير الله
كان الفكر العرفاني للإمام هو البنيان الأساسي لحركته، وهو ما تجلى في آثاره العرفانية والفلسفية والأخلاقية البارزة.
توحيد الأفعال ونفي الهيمنة: يؤكد العرفان الإسلامي، لا سيما في النهج الشيعي، تأكيداً بالغاً على أصل "توحيد الأفعال"؛ وهو ما يعني أن الفاعل الحقيقي والمؤثر الوحيد في عالم الوجود هو الذات المقدسة لله تعالى. ومن هذا المنطلق، فإن أي سلطة أو قوة أو مشروعية تقوم على غير أساس إلهي (الطاغوت، القوى المادية، الشرق أو الغرب) تُعد شركاً عملياً وسلطة باطلة. هذه الرؤية منحت الحركة الثورية قاعدة نظرية (عرفانية وشرعية) صلبة، وبناءً عليه، لم تكن لسيادة نظام الشاه المستمد من الدعم الخارجي ألامريكي أي مشروعية أمام القدرة الإلهية المطلقة وإرادة الشعب المتصلة بالحق.
"إنّ أهم وأثمن معتقداتنا هو أصل التوحيد. وبناءً على هذا الأصل، نعتقد أن خالق وموجد العالم وجميع عوالم الوجود والإنسان، هو فقط الذات المقدسة لله تعالى المحيطة بكل الحقائق والقادرة على كل شيء والمالكة لكل شيء. هذا الأصل يعلمنا أن الإنسان يجب أن يسلم فقط أمام الذات الأقدس للحق، ولا ينبغي له إطاعة أي إنسان، إلا إذا كانت طاعته هي طاعة الله."
(صحيفة الإمام، المجلد 5، ص 387).
صناعة الحركة على أساس السلوك العرفاني السياسي: في الرؤية العرفانية والحكمية للإمام، يُشدد على أن الغاية النهائية في جميع الأفعال الفردية والجمعية هي العودة إلى المقام الربوبي. وفي هذا الإطار، لم تكن الحركة السياسية هدفاً ذاتياً، بل اعتبرت "جهاداً أكبر" لمحاربة طاغوت النفس وتزكيتها، وهو مقدمة وشرط لازم لتحقيق "الجهاد الأصغر" لمحاربة الطاغوت الخارجي وإقامة الأحكام الإلهية وإعادة العدالة. هذه النظرة حولت النضال السياسي من حدث سياسي محدود إلى عمل عرفاني مقدس، ومنحته بُعداً متعالياً وروحياً.
2.المباني الفقهية.. نظرية ولاية الفقيه
ربما يمكن اعتبار الابتكار والبسط الفقهي للإمام الخميني(رض) على أساس نظرية "ولاية الفقيه" أهم سند عملي ومؤسساتي لحركته الثورية.
ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة: أثبت الإمام الخميني(رض)، من خلال تفسير دقيق ومبدع للفقه الشيعي، أن إدارة المجتمع الإسلامي بناءً على الأدلة العقلية والنقلية في غياب الإمام المعصوم(ع) موكلة إلى الفقيه الجامع للشرائط والمؤهل. وهذا الأمر في الحقيقة ليس خياراً سياسياً، بل تكليف شرعي. وقد حققت هذه النظرية وظيفتين أساسيتين:
•سحب المشروعية عن نظام البهلوي: كما ذكرنا، فإن الحكومة التي لا تقوم على الشرع والأحكام الإلهية أي الطاغوت هي حكومة غاصبة وغير شرعية.
•إضفاء المشروعية على الحكومة البديلة: تحولت الحركة الثورية للشعب بقيادة الإمام من مجرد احتجاج سياسي واجتماعي إلى واجب ديني وفريضة إلهية واجبة الطاعة.
الفقه كإطار عملي للعدالة الاجتماعية: كانت الرؤية الفقهية للإمام تمثل تفسيراً حيوياً واجتماعياً للشريعة الإسلامية، يخرجها من حيز الانحصار في الأحكام الفردية والعبادية. فقد كان يرى الفقه ليس مجرد مجموعة من "افعل" و"لا تفعل" الطقوسية، بل منشوراً قانونياً وأخلاقياً يحكم المجتمع، وأحد أهدافه الرئيسة هو إقامة "القسط والعدل" الإلهي. وكان يعتقد أنه إذا طُبقت الأحكام الإلهية أي الفقهية بشكل كامل وشامل في هيكلية الحكم، فإن النتيجة الطبيعية ستكون عدالة اقتصادية واجتماعية وسياسية شاملة.
3.التعاليم الإسلامية في سيرة أهل البيت(ع)
استلهم الإمام الخميني(رض) من التاريخ الإسلامي، لاسيما سيرة أهل البيت(ع)، كنموذج لتعزيز روح المقاومة وتبيين مشروعية النضال.
الثورة في مسار نهضة عاشوراء: لم ينظر الإمام إلى حركته كتغيير سياسي اعتيادي، بل اعتبرها تكراراً لنهضة الإمام الحسين(ع) في عاشوراء. هذا النموذج التاريخي لم يكن حدثاً غابراً، بل نموذجاً إسلامياً أبدياً لمقارعة الظلم. ومن هذا المنطلق، يُعرف الشاه ونظامه الاستبدادي كممثلين لـ"طاغوت الزمان"، والنضال ضدهم هو امتداد للاقتداء بسيد الشهداء.
مقارعة الاستكبار العالمي: إن تأكيد الإمام على مفهوم "الاستكبار العالمي" (وليس مجرد الإدارة الأمريكية) متجذر في التعاليم الإسلامية التي ترى الحدود بين الحق والباطل عالمية. وفي هذه الرؤية، فإن النضال ضدّ الغرب والصهيونية ليس قضية إيرانية فحسب، بل هو المصداق الحالي للصراع التاريخي بين الحق والباطل.
