أهداف الثورة الإسلامية؛ إطار علمي وفلسفي
في أي حركة اجتماعية وسياسية، يُعد تحديد الأهداف والقيم الأساسية الخطوة الأولى على طريق تحقيق التغيير والتحوُّل. هذه الأهداف لا تحدد مسار العمل فحسب، بل تشكّل أيضاً الأساس الأيديولوجي والروحي للحركة. تتميز الثورة الإسلامية الإيرانية، بأُسُسها الإسلامية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، بهيكلية موجّهة بالهدف ومتعددة الأبعاد، تغطي الأهداف الأساسية وحتى التفاصيل التشغيلية. من منظور الإمام الخميني(رض)، لم تكن هذه الثورة مجرد تغيير سياسي، بل كانت تحولاً إنسانياً وثقافياً وروحياً، يهدف إلى تحقيق الحكم الإسلامي، والإستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، وتزكية المجتمع.
1.الإسلام وحاكمية الدين.. الهدف الأساسي والروحي
كان الهدف الأول والأهم للثورة الإسلامية هو إحياء الإسلام وإقامة حاكمية التعاليم الدينية في المجتمع الإيراني. وصف الإمام الخميني(رض) هذه الثورة ليس مجرد تحول سياسي، بل إستمراراً لطريق الأنبياء(ص) والأئمة الأطهار(ع)، ورآها تحقيقاً للحاكمية الإلهية على مدار الشريعة المحمدية في هذا البلد. هذا الهدف، في مقابل التحليلات السياسية والاقتصادية، كان يؤكد على الجوانب الدينية والروحية والفكرية.
في هذا المسار، كان الإمام الخميني(رض) يعرِّف مفهوم الحكم الإسلامي كنظام سياسي قائم على الشريعة، والعقلانية، والعدالة، والقيم الأخلاقية. لم يقتصر هذا الحكم على الإلتزام والحدود بتطبيق القوانين الدينية فحسب، بل استخدم المبادئ الإسلامية كمصدر رئيسي للإستنباط والتفسير والتوجيه والتنفيذ في طريق تحقيق كل المطلوبيات الجماعية (العدالة، الحرية، الاستقلال، الإنسانية، التقدم و...).
في هذا الإطار، لم يكن كفاح الشعب من أجل "حاكمية الدين" خياراً سياسياً أحادي البُعد، بل كان خياراً أخلاقياً وروحياً وعقلياً. برأي الإمام الخميني (رض)، كان برنامج الحكم الإسلامي قائماً على أصل التوحيد، وكان هدفه الأساسي والنهائي هو معرفة الله، والروحانيات الإسلامية، وإقامة ونشر العدل والعدالة: "جميع التكوينات التي كانت في الإسلام منذ صدر الإسلام حتى الآن، وكل الأشياء التي كان لها الأنبياء منذ صدر الخليقة حتى الآن، وأولياء الإسلام حتى آخرهم، هي روحانيات الإسلام، هي عرفان الإسلام، هي معرفة الإسلام، في رأس جميع الأمور تقع هذه الروحانيات. إن تشكيل الحكومة من أجل هذا، بالطبع إقامة العدل، لكن الغاية النهائية هي تعريف الله وعرفان الإسلام" (صحيفة الإمام، ج20، ص298).
الحكم الإسلامي لديه برنامج لجميع شؤون حياة البشر ويضمن سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ويزيل الظلم والنهب والفساد. كان يرى إقامة القانون والحرية في حدود القوانين الإسلامية والبلاد من بين الأهداف المهمة للحكم الإسلامي. في بيان واجبات هذا الحكم، كان يعدّ تنفيذ العدالة الحقيقية، ونشر الإسلام في العالم، وإقامة الحاكمية العالمية للإسلام واجباً أساسياً، وكان يؤكد في هذا الطريق على الاستثمار في إحياء الهوية الإسلامية للمسلمين. كان سماحة الإمام(رض) يرى الحفاظ على الديمقراطية، وتأمين المـُـثـُل الإنسانية للأمّة، والحركة في إطار ضوابط الإسلام من واجبات الحكم، وكان يعتقد أن مراعاة معايير الإسلامية بدقة تضمن تقدّم المجتمع.
2.تربية الجيل القادم وإصلاح الثقافة.. الركائز المحورية
كان أحد الأهداف الرئيسية للثورة الإسلامية هو إصلاح ثقافة المجتمع والتربية الصحيحة للجيل القادم. كان الإمام الخميني(رض) يؤكد أنه بدون تغيير ثقافة وقيم المجتمع، لا يمكن لأي تغيير سياسي واجتماعي أن يكون مستداماً ومؤثراً. في هذا المسار، كانت تنشئة وتربية الأطفال الإيرانيين على أساس المبادئ الإسلامية والقيم الإنسانية، والمهارات الأخلاقية والمعرفية، والتعليم في المجالات العلمية والدينية، من الأولويات الرئيسية لنهضة الإمام الخميني(رض). هذه التربية، لا يجب أن تكون دائماً في مركز الاهتمام في المدارس والمراكز التعليمية والجامعية فحسب، بل أيضاً في الأسرة والمجتمع.
كان إصلاح الثقافة في النظرة المتطلعة للإمام(رض) يعني تغيير البنى الفكرية، والقيم الاجتماعية، والاتجاهات السياسية. كان هذا التغيير موجهاً في الغالب إلى محاربة الثقافة المادية، وعدم المسؤولية الاجتماعية، والاستهلاكية، والتفكير المتغرب الذي كان قد انتشر بشدة في عهد البهلوي. سعت الثورة الإسلامية في هذا المسار إلى خلق ثقافة قائمة على الإسلام، والقيم الإنسانية، والعدالة، والإنسانية، والاستقلال. هذه الثقافة، لم تكن تساعد فحسب في خلق هوية وطنية ودينية، بل كان لها أيضاً دور أساسي في طريق المقاومة ضد الاستعمار والتبعية للقوتين العظميين آنذاك.
3.تزكية النفس ومكافحة الفساد.. الأهداف الروحية والأخلاقية
كان أحد الأهداف العميقة والروحية للثورة الإسلامية من منظور الإمام الخميني(رض)، هو إخراج الناس من أسر نفوسهم. كان يؤكد أنه يجب على البشر، في طريق تحقيق حياة سعيدة، ليس فقط التحرر من الظلم والاستبداد الخارجي والجماعي، بل يجب أيضاً أن يتحرروا من أسر نفوسهم.
مفهوم تزكية النفس وتهذيبها "الذي يعني في فكر مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بناء الذات وتصفية النفس من جميع الظلمات" يُعدّ ضرورة أساسية في طريق تحقيق العدالة الاجتماعية وخلق مجتمع متحضر وكذلك بلوغ الكمال الفردي والجماعي للإنسان. تزكية النفس لا تشير فقط إلى التغيير الداخلي للإنسان، بل في الرؤية السياسية للإمام الخميني(رض) ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتغيير الاجتماعي والسياسي أيضاً، وبتعبير آخر، تُعدّ من الدعائم الرئيسية للإصلاح الاجتماعي وخلق مجتمع قائم على القيم الإسلامية.
هذه النظرة العميقة لتزكية النفس في بُعديها الداخلي والخارجي هي التي مهّدت الأرضية النظرية للدخول في مكافحة الفساد والفحشاء على جميع المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية.
من وجهة نظر الإمام الخميني(رض)، أحد محاور فلسفة الحكم الإسلامي هو مكافحة المفاسد والمراكز التي تثبط ثقافة المجتمع وتمنع نمو الشباب. التنفيذ المتناسق والشامل لأحكام وقوانين الإسلام، خاصة في المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية الثلاثة، يحفظ المجتمع من الفساد ويُهيئ أرضية لنمو وازدهار المواهب. لذلك، استمر كفاح الشعب الإيراني بقيادة الإمام الخميني(رض) ليس فقط على المستوى السياسي والإداري، بل أيضاً على المستوى الثقافي والاجتماعي بأولوية وأهمية.
4.الاستقلال الوطني ونفي التبعية.. الهدف السياسي والاقتصادي الجوهري
كان أحد الأهداف المحورية الأخرى للثورة الإسلامية هو تحقيق الاستقلال التام والتحرر من هياكل التبعية التي فرضها نظام البهلوي البائد. وكان لهذه التبعيات أبعاد متعددة، شملت بشكل رئيسي المجالات الاقتصادية "سيطرة القوى الخارجية على الموارد"، والعسكرية "تبعية العقيدة الأمنية"، والسياسية "الخضوع للسياسات الدولية الكبرى وخاصة أمريكا"، والثقافية "التغلغل الأيديولوجي والاغتراب الفكري".
من وجهة نظر الإمام الخميني(رض)، لم يكن الاستقلال مجرد مفهوم جغرافي-سياسي، بل بالإضافة إلى ذلك، كان يعني أيضاً الاستقلال الفكري والاكتفاء الذاتي.
في هذا الإطار، ركّزت أولويات الحركة الإسلامية على تخصيص الموارد والمخزون الوطني بالكامل للشعب وقطع تدخل الأجانب تماماً في البُعد الاقتصادي، وكذلك رفع الهيمنة والتصدي للتراخي في وجه الاستعمار الذي كان يهدد الهوية الوطنية والدينية، في البُعدين السياسي والفكري.
كان الإمام الخميني(رض) يُعرّف الاستغلال في أشكاله الاقتصادية والثقافية والسياسية، ويجادل بأنه طالما لم تُقتلع جذور النظام الاستبدادي البهلوي، فلن يكون أي تحول اجتماعي عميق وذو معنى ممكناً.
كان الهدف النهائي على هذا المستوى هو استبدال هيكل الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي بنظام إسلامي – شعبي، أي الجمهورية الإسلامية. وهذا الأمر تطلب اكتساب الحرية السياسية من خلال المشاركة الفعالة للشعب في مصيره وإقامة نظام يضمن، في إطار الأسس الإسلامية، تحقيق ثلاثية الاستقلال والحرية والعدالة لجميع أفراد المجتمع.
5.العدالة الاجتماعية وحكم القانون.. الهدف الاجتماعي والحقوقي
كان الإمام الخميني(رض) يرى أن تحقيق العدالة الاجتماعية واستقرار حكم القانون المبني على الشريعة هما ركنا الأهداف الحقوقية والاجتماعية للثورة الإسلامية.
كان أحد الأولويات الأساسية للحركة هو التنفيذ الدقيق للقوانين على محور معيار العدالة الإلهية. من منظوره، كان يُعرَّف العدل بما يتجاوز مجرد العدالة التوزيعية "التوزيع العادل للموارد المادية"، وشمل تكريم الكرامة الإنسانية الأساسية وتهيئة الأرضية لتحقيق الحياة الطيبة "الكمال الوجودي".
اقتضى هذا النهج النفي الجذري للفقر الهيكلي، والفساد المؤسسي، والتمييز، وهو الأمر الذي لم يكن يجب أن يتحقق فقط في المجال الاقتصادي، بل كان يجب أن يتعمق في هياكل العلاقات الاجتماعية والثقافية حتى تُجفَّف جذور الظلم في الثقافة العامة أيضاً.
كانت السعادة والكمال الإنساني الهدف النهائي لهذه البناء النظامي في فكر الإمام الخميني(رض). كان يؤكد أن الحياة المنشودة والسعيدة هي مزيج من توفير الإمكانات المادية الضرورية والكمال الروحي والارتقاء الإنساني.
تحقيق هذا الأمر تطلَّب إصلاحات هيكلية في المجال الحقوقي والاجتماعي؛ من بينها، ضمان حقوق الفئات المحرومة في مواجهة السلطة، وتأسيس مبدأ سيادة القانون بحيث لا يكون أي فرد أو مجموعة فوق القانون.
كانت هذه الأهداف الحقوقية والاجتماعية مكمّلة للتحرر من الاستبداد والتبعية، لكي يتشكل مجتمع حرّ، عادل، قائم على القانون الإسلامي.
من الجانب الحقوقي، كان التأكيد على حكم القانون يعني سيادة التعاليم الإسلامية المطلقة وضمان الاستقلال الكامل للجهاز القضائي. كان يجب صياغة هذا القانون وتنفيذه مع مراعاة المصلحة العامة واستناداً إلى أُسُس الشرع.
كان هذا النهج الشامل يرى العدالة ليس مجرد شعار، بل عملية نظامية تتعامل في آن واحد مع إزالة الظلم المادي ورفع المستوى الروحي للمواطنين.
الخلاصة:
في النهاية، تتميز أهداف الثورة الإسلامية الإيرانية بإطار متعدد الأبعاد وديناميكي يغطي الأهداف الأساسية وحتى التفاصيل التشغيلية.
هذه الأهداف لم تكن تقتصر فقط على تطبيق القوانين الدينية، بل كانت تستخدم الأُسس الإسلامية في طريق تحقيق العدالة والإنسانية وحُرّية الإنسان. كان الإمام الخميني(رض) يؤكد أن هذه الثورة لم تكن مجرد تغيير سياسي، بل كانت تحولاً إنسانياً وثقافياً وروحياً يهدف إلى تحقيق الحكم الإسلامي، والاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، وتزكية المجتمع. هذه الأهداف كانت تُعدّ من الأولويات الأساسية للحركة في طريق تحقيق الأهداف الرئيسية للثورة الإسلامية.
