حين يصبح الحليف ورقة تفاوض

ترامب وكيم.. اختبار جديد للنفوذ الأميركي في آسيا

/ لا تكمن أهمية عودة دونالد ترامب في محاولة استئناف الحوار مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في احتمال عقد لقاء جديد بين الرجلين فحسب، بل في التحولات التي تكشفها هذه الخطوة داخل النظام الأمني الآسيوي. فواشنطن التي أمضت سنوات في محاولة عزل بيونغ يانغ وإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف: كوريا الشمالية لم تتراجع، بينما بدأت الثقة بالالتزام الأميركي تهتز داخل الدول التي بنت أمنها لعقود على التحالف مع الولايات المتحدة. وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من الملف الكوري نفسه: هل ما زالت المظلة الأميركية ضمانة استراتيجية مستقرة، أم أن سياسة ترامب القائمة على الصفقات والضغط وإعادة التفاوض حول الالتزامات بدأت تحولها إلى مصدر جديد لعدم اليقين؟
وتزداد خطورة هذا التحول مع تقليص بعض المناورات والتدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية، والضغط على اليابان وكوريا الجنوبية لزيادة الإنفاق وتقاسم أعباء الدفاع، إلى جانب إعادة واشنطن حساباتها تجاه الصين وتايوان، وهي خطوات تدفع الحلفاء إلى إعادة التفكير في مدى ثبات الالتزام الأميركي.
كوريا الشمالية.. حين لم تنجح سياسة الضغط في تغيير حساباتها
على مدى عقود، راهنت الولايات المتحدة على أن العقوبات والعزلة والضغط العسكري ستجبر بيونغ يانغ على تقديم تنازلات استراتيجية، وفي مقدمتها التخلي عن قدراتها النووية. لكن النتيجة جاءت بعكس ما أرادته واشنطن؛ فلم تنهَر كوريا الشمالية، ولم تتخلَّ عن برنامجها النووي، بل واصلت تطوير قدراتها الصاروخية والعسكرية، وعززت علاقاتها مع روسيا والصين، لتدخل أي مفاوضات جديدة وهي تمتلك أوراقًا أقوى. وهذا لا يعني أن العقوبات لم تفرض كلفة كبيرة على بيونغ يانغ، لكنه يعني أنها لم تحقق هدفها الأساسي: إجبار النظام على تغيير حساباته الأمنية.
وهنا تظهر المفارقة التي يستثمرها كيم جونغ أون سياسيًا. فواشنطن التي سعت إلى عزل كوريا الشمالية أصبحت اليوم مضطرة إلى البحث عن قناة مباشرة مع قيادتها، بينما يدخل كيم أي مفاوضات محتملة مستفيدًا من تطور قدراته العسكرية ومن علاقاته مع روسيا والصين، ومن حاجة الولايات المتحدة إلى إدارة المخاطر بدل الاكتفاء بالضغط. لقد تحولت القدرات النووية والصاروخية بالنسبة إلى بيونغ يانغ من أدوات للردع إلى أوراق تفاوضية، وأصبح كيم طرفًا لا تستطيع واشنطن تجاوزه إذا أرادت إدارة أمن شبه الجزيرة الكورية. لذلك، فإن عودة الحوار لا تعني أن كوريا الشمالية انتصرت، لكنها تكشف بوضوح حدود سياسة الضغط الأميركية، وتمنح بيونغ يانغ مكسبًا سياسيًا: الانتقال من موقع الدولة التي يُطلب منها تقديم التنازلات إلى موقع الطرف الذي تسعى واشنطن نفسها إلى التفاوض معه.
ترامب يقلب معادلة التحالف.. الأمن لم يعد ضمانة بل صفقة
إذا كان صعود كوريا الشمالية قد كشف حدود سياسة الضغط الأميركية، فإن أسلوب ترامب في التعامل مع الحلفاء يكشف مشكلةً أخرى لا تقل خطورة: تحويل التحالفات الأمنية إلى حسابات مالية قابلة لإعادة التفاوض.
ليس الاعتراض على مطالبة الحلفاء بزيادة الإنفاق الدفاعي، فاليابان وكوريا الجنوبية قادرتان على تحمل أعباء أكبر. لكن المشكلة تبدأ عندما تأتي المطالب المالية بالتزامن مع خطوات تجعل الحليف يشك في قيمة الضمانة الأميركية نفسها. فعندما تضغط واشنطن على سيول وطوكيو لدفع المزيد، ثم تقلّص التدريبات أو تعيد تقييم مستوى الانتشار العسكري، فإن الرسالة التي تصل إلى الحلفاء لا تكون مجرد «تحملوا مسؤولية أكبر»، بل «الضمانة الأميركية نفسها قد تصبح موضع تفاوض». وهنا تكمن أخطر تداعيات سياسة ترامب: التحالفات لا تنهار فقط عندما تنسحب القوات، بل تبدأ بالضعف عندما يفقد الحلفاء الثقة بأن القوات ستبقى عندما يحتاجون إليها. وهذه الثقة هي جوهر الردع الأميركي في آسيا.
سيول وطوكيو أمام سؤال لم يكن مطروحًا سابقًا
بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، لا يمكن فصل الوجود العسكري الأميركي عن التهديد الكوري الشمالي. ولذلك فإن تقليص التدريبات المشتركة لا يُنظر إليه باعتباره قرارًا إداريًا عابرًا، بل باعتباره إشارة يمكن أن تؤثر في حسابات الردع والاستعداد العسكري. أما اليابان، فتجد نفسها أمام علاقة أمنية حيوية من جهة، وضغوط أميركية متزايدة بشأن كلفة استضافة القوات والإنفاق الدفاعي من جهةٍ أخرى.
وعندما يشعر الحليف أن العلاقة أصبحت خاضعة لشروط مالية وسياسية متغيرة، فإنه سيبدأ في بناء خيارات بديلة، من زيادة الإنفاق العسكري وتطوير القدرات الذاتية إلى توسيع الشراكات الإقليمية. وبذلك قد تحقق سياسة ترامب نتيجة معاكسة لأحد أهدافها؛ فبدل أن تجعل الحلفاء يتحملون عبئًا أكبر داخل النظام الأميركي، قد تدفعهم إلى التفكير في نظام أمني أقل اعتمادًا على واشنطن.
تايوان والهند تراقبان.. وأزمة الثقة تتجاوز شبه الجزيرة
ولا تنحصر المشكلة في طوكيو وسيول. وتراقب تایوان بدقة كيفية إدارة ترامب للعلاقة مع الصين، وأي تردد في ملف التسليح قد يتحول إلى سؤال سياسي أوسع حول مدى استعداد واشنطن لتحمل كلفة الدفاع عن تايبيه إذا تصاعدت الأزمة. أما الهند، التي وسعت تعاونها الدفاعي والاستراتيجي مع الولايات المتحدة، فتراقب بدورها قدرة واشنطن على الحفاظ على سياسة آسيوية مستقرة وطويلة المدى.
وهنا تتحول تصرفات ترامب من قرارات منفصلة إلى نهج استراتيجي واحد: إعادة تعريف العلاقات الخارجية وفق معيار المنفعة المباشرة، والضغط على الحلفاء لزيادة مساهماتهم، وإعادة تقييم الالتزامات السابقة. وقد تكون هذه السياسة مفهومة من منظور «أميركا أولًا»، لكنها تحمل كلفة استراتيجية كبيرة؛ لأن القوة الأميركية في آسيا تقوم تحديدًا على جعل الدول الأخرى تثق بأن مصالحها الأمنية مرتبطة باستمرار الدور الأميركي.
حين تبدأ المظلة الأميركية بفقدان قوتها
تكشف التحولات الأخيرة أن التحدي الحقيقي أمام واشنطن يتجاوز أزمة كوريا الشمالية إلى مستقبل تحالفاتها في آسيا. فسياسة ترامب القائمة على الصفقات والضغط المالي وإعادة التفاوض حول الالتزامات تضعف الثقة التي قامت عليها المظلة الأميركية لعقود. والقوة لا تُقاس فقط بحجم القوات والقواعد، بل بمدى يقين الحلفاء بأن واشنطن ستقف إلى جانبهم عند الأزمات. 
وإذا تراجعت هذه الثقة، ستبدأ الدول الآسيوية بتعزيز قدراتها وتنويع شراكاتها، ما يضعف النفوذ الأميركي تدريجيًا. لذلك، لن يتوقف الحفاظ على موقع واشنطن في آسيا على قوتها العسكرية وحدها، بل على قدرتها على استعادة الثقة والاستقرار في تحالفاتها. فالمظلة الأميركية قد تبقى قائمة من الناحية العسكرية، لكن قيمتها الاستراتيجية تتراجع كلما ازداد الشك في استعداد واشنطن لاستخدام قوتها دفاعًا عن حلفائها.
البحث
الأرشيف التاريخي