حين يصبح دعم الاحتلال عبئًا انتخابيًا

من الديمقراطيين إلى الجمهوريين.. هل تبدأ نهاية سطوة «أيباك» من ميشيغان؟

/ لأكثر من نصف قرن، قامت العلاقة بين واشنطن وكيان الاحتلال على معادلة سياسية جعلت انتقاد كيان الاحتلال مكلفًا داخل المؤسسة الأميركية، فيما تحولت «أيباك» إلى أحد أبرز أدوات التأثير، عبر التمويل الانتخابي ودعم المرشحين ومواجهة من يتجاوز حدود الإجماع التقليدي في دعم الاحتلال.
لكن حرب الإبادة الصهيونية على غزة بدأت تهز هذه المعادلة، بعدما تصاعدت الانتقادات للسياسات الصهيونية داخل قطاعات من المجتمع الأميركي، خصوصًا بين الديمقراطيين والشباب والعرب والمسلمين.
 ولم يعد السؤال فقط عن حجم نفوذ «أيباك»، بل عن قدرتها على تحويل الأموال إلى نتائج انتخابية، وما إذا كان دعمها للمرشحين لا يزال يمثل مكسبًا أم بدأ يتحول إلى عبء سياسي.
وتبرز ميشيغان مختبرًا لهذا التحول، بفعل ثقل الناخبين العرب والمسلمين، وتنامي الاعتراض على الحرب، وتغير المزاج داخل الحزب الديمقراطي، إلى جانب النقاش داخل الحزب الجمهوري حول السياسة الخارجية والإنفاق الأميركي. وهكذا تطرح الولاية سؤالًا أوسع: هل بدأت فعالية النفوذ الانتخابي لـ«أيباك» تتراجع؟
ميشيغان.. حين تتحول فلسطين إلى قضية انتخابية 
أهمية ميشيغان لا تكمن فقط في نتائج انتخابات بعينها، بل في كونها تعكس تحولات أعمق داخل الناخب الأميركي. فالولاية تضم كتلة عربية وأميركية مسلمة ذات وزن انتخابي واضح، لكنها في الوقت نفسه ليست جزيرة سياسية منفصلة عن بقية الولايات المتحدة. ما يجري فيها يتأثر بالتحولات التي تضرب الحزب الديمقراطي من الداخل، وبالنقاش المتصاعد حول حدود الدعم الأميركي لكيان الاحتلال، وبالأسئلة التي تفرضها الحرب على غزة على الناخبين الذين كانوا يتعاملون مع القضية الصهيونية سابقًا باعتبارها ملفًا خارجيًا بعيدًا عن حياتهم اليومية. وهنا تكمن النقطة الأهم: غزة لم تعد مجرد قضية في السياسة الخارجية الأميركية. لقد أصبحت قضية انتخابية. دخلت إلى النقاش حول الضرائب، والمساعدات العسكرية، ودور الولايات المتحدة في الحروب الخارجية، ومسؤولية الإدارة الأميركية، وحتى حدود نفوذ جماعات الضغط في واشنطن. وحين تنتقل القضية من غرف السياسة الخارجية إلى صندوق الاقتراع، تتغير قواعد اللعبة بالكامل. فحين يصوت الناخب لمرشح على أساس موقفه مِن حرب تجري بعيدًا جغرافيًا، فإن القضية لم تعد بعيدة سياسيًا. وحين تصبح المساعدات الأميركية لكيان الاحتلال موضوعًا في المناظرات والانتخابات التمهيدية، فإنه ينتقل من كونه قضية توافقية إلى كونه جزءًا من الصراع السياسي الأميركي نفسه. وتُعد هذه نقلة نوعية، لأن القضايا التي تدخل دائرة الانتخابات تخضع لقواعد مختلفة عن تلك التي تبقى محصورة في السياسة الخارجية والمؤسسات الدبلوماسية.
«عبدول السيد».. هل يفقد المال  الانتخابي تأثيره؟
تحولت معركة عبدول السيد إلى اختبار يتجاوز شخصه، بعدما وضع القضية الفلسطينية، ووقف الدعم العسكري غير المشروط لكيان الاحتلال، ومراجعة أوجه إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين على الدعم العسكري في صلب خطابه السياسي.  وتكمن أهمية التجربة في كشفها علاقة متغيرة بين المال السياسي وسلوك الناخب. فلطالما اعتمد نفوذ «أيباك» على رفع كلفة تحدي الاحتلال، عبر إنفاق الأموال ضد المرشحين وإرسال رسالة إلى السياسيين بأن مواجهة الخط التقليدي قد تهدد مستقبلهم الانتخابي. لكن هذه المعادلة تصبح أكثر هشاشة عندما يستطيع المرشح تحويل الأموال المنفقة ضده إلى مادة لحشد الناخبين بدل ردعه. فإذا بدأ الناخب يسأل: لماذا تُنفق ملايين الدولارات لإسقاط مرشح؟ ومن المستفيد من هذه الأموال؟ وهل يتحدث المرشح باسم ناخبيه أم باسم جماعات المصالح؟ فإن المال يتحول من أداة ضغط إلى قضية سياسية بحد ذاتها. وهنا تكمن خطورة التجربة على «أيباك»: فقد تبقى قوتها المالية ضخمة، لكن تأثيرها الردعي يتراجع إذا لم يعد السياسيون والناخبون ينظرون إلى المال باعتباره سببًا كافيًا للخوف.
غزة تهز معادلة الدعم الأميركي لکیان الاحتلال
أعادت حرب غزة تشكيل النقاش حول كيان الاحتلال داخل السياسة الأميركية، خصوصًا في الحزب الديمقراطي، حيث تتوسع تيارات شابة وتقدمية في طرح قضايا الاحتلال وحقوق الفلسطينيين والمساعدات العسكرية والقانون الدولي. ولم تعد القضية محصورة في النخب؛ إذ دخلت الجامعات والاحتجاجات والحملات الانتخابية، لتتحول فلسطين من ملف حقوقي إلى قضية قادرة على التأثير في سلوك الناخبين. ولا يقتصر التحول على الديمقراطيين؛ ففي الحزب الجمهوري تتصاعد تيارات تشكك في الحروب الخارجية وكلفة الالتزامات الأميركية، وإن اختلفت دوافعها عن اليسار. فبينما يركز التقدميون على حقوق الفلسطينيين، يركز جزء من اليمين على مبدأ «أميركا أولًا» وتقليص الإنفاق والتدخل الخارجي.وقد يلتقي الطرفان عند سؤال واحد: هل ينبغي لواشنطن تقديم دعم غير مشروط لکیان الاحتلال؟
وهنا تكمن المشكلة الأعمق أمام «أيباك»: لم يعد الاعتراض على كيان الاحتلال شأنًا يساريًا فقط، بل بدأ يتحول إلى نقاش أوسع حول كلفة التحالف والمصلحة الأميركية، بما يهدد تماسك الإجماع السياسي الذي جعل دعم الاحتلال قضية فوق حزبية.
من الإجماع الحزبي إلى الانقسام.. هل يفقد الاحتلال حصانته؟
استفاد كيان الاحتلال لعقود من إجماع ديمقراطي ـ جمهوري أسهم في تثبيت دعمه نسبيًا داخل واشنطن، لكن هذا الإجماع بدأ يتآكل. فداخل الحزب الديمقراطي تتوسع الانتقادات للسياسات الصهيونية والمساعدات العسكرية، في المقابل،  تنمو داخل الحزب الجمهوري تيارات تشكك في كلفة الالتزامات الخارجية والحروب والإنفاق على حلفاء الخارج. المشكلة، إذن، ليست انتقال الحزبين إلى موقع معادٍ لكيان الاحتلال، بل تراجع الحصانة السياسية التي تمتعت بها لعقود. والأهم أن المعركة تتجاوز «أيباك» وکیان الاحتلال إلى سؤال أوسع: من يحدد السياسة الخارجية الأميركية؟ فالقرار لا تصنعه جماعات الضغط وحدها، بل تتداخل فيه المؤسسات الأمنية والعسكرية، والمصالح الاقتصادية، والانتخابات، والناخبون والتحالفات التاريخية. وإذا أصبحت السياسة الأميركية تجاه الاحتلال خاضعة للنقاش الانتخابي والمساءلة مثل بقية الملفات، فإن ذلك يمثل تحولًا استراتيجيًا في طبيعة العلاقة.
ميشيغان تختبر الحصانة السياسية لكيان الاحتلال 
لم تكن ميشيغان مجرد معركة انتخابية، بل اختبارًا لمدى تراجع القدرة الردعية لـ«أيباك» على فرض كلفة سياسية على المرشحين المنتقدين لكيان الاحتلال. ورغم استمرار نفوذها المالي والسياسي، فإن التحول الأهم يتمثل في دخول القضية الفلسطينية والحرب على غزة والمساعدات العسكرية لهذا الكيان إلى صلب النقاش الانتخابي الأميركي.
وتكمن خطورة هذا التحول عليه في أن دعمه لم يعد يحظى بالحصانة السياسية نفسها؛ فحين يصبح انتقاد سياساته قابلًا للتحول إلى رصيد انتخابي، ويغدو الارتباط بأيباك عبئًا في بعض الدوائر، تبدأ المعادلة التقليدية بالاهتزاز. ختاماً، قد تكون ميشيغان إحدى محطات بداية تراجع الحصانة السياسية التي تمتع بها كيان الاحتلال داخل واشنطن، وانتقال العلاقة معه من مسلّمة ثابتة إلى تحالف يخضع بصورة أكبر للمساءلة والمصالح الأميركية وإرادة الناخب.
البحث
الأرشيف التاريخي