المتاحف والوثائق تحفظ ذاكرة المآسي الإنسانية

من هيروشيما إلى ميناب.. مقترح لإنشاء متحف يوثّق فاجعة مدرسة «الشجرة الطيبة»

/ في إطار الجهود الرامية إلى صون الذاكرة التاريخية وتوثيق الأحداث التي تترك آثاراً عميقة في المجتمعات، برزت مدينة ميناب محوراً لمبادرات تهدف إلى حفظ وقائع فاجعة مدرسة «الشجرة الطيبة» والتعريف بأبعادها الإنسانية والتاريخية للأجيال المقبلة. وخلال ندوة تخصصية في طهران، طُرحت مقترحات لإنشاء متحف في ميناب ومركز للوثائق، إلى جانب توثيق الحادثة في المناهج التعليمية والأعمال السينمائية، بما يعزز دور المؤسسات الثقافية في حفظ الذاكرة الجماعية، ويتيح للزوار والوفود الأجنبية التعرف على تفاصيل هذه الواقعة من خلال مصادر موثقة.
وجاءت هذه المقترحات خلال ندوة «من هيروشيما إلى ميناب.. العدالة والذاكرة والمسؤولية الدولية إزاء جرائم الحرب»، التي عُقدت في قاعة فجر التابعة لوزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في طهران، بمشاركة مسؤولين وخبراء في مجالات القانون الدولي وحقوق الإنسان والتراث الثقافي.
متحف ميناب ومركز للوثائق لحفظ الذاكرة التاريخية
وأكد مدير مركز القانون الجنائي الدولي وعضو الهيئة العلمية بجامعة طهران، محمد هادي ذاكر حسين، أهمية توثيق فاجعة مدرسة «الشجرة الطيبة» من خلال إنشاء «مركز وثائق فاجعة مدرسة ميناب» وتأسيس «متحف ميناب»، معتبراً أن هاتين الخطوتين من شأنهما حفظ الأدلة والمعلومات وصون الذاكرة الجماعية، فضلاً عن توفير الوثائق اللازمة لمتابعة المسارات القانونية مستقبلاً.
وأشار ذاكر حسين، إلى أن توثيق الوقائع وحفظ الشهادات والوثائق يمثلان ضرورة لضمان وصول المعلومات إلى الأجيال المقبلة، مؤكداً أهمية تطوير آليات وطنية لصون الحقيقة وتعزيز المساءلة القانونية عن الانتهاكات التي تطال المدنيين والمؤسسات التعليمية أثناء النزاعات المسلحة. وفي السياق ذاته، دعا نائب وزير العدل لشؤون حقوق الإنسان والعلاقات الدولية، عسكر جلاليان، إلى تسجيل الحادثة على قائمة التراث الوطني، ووضع برنامج وطني ودولي متكامل للحفاظ على أبعادها التاريخية والقانونية، مشدداً على أهمية الاستفادة من إمكانات الجامعات والمؤسسات الحكومية والجمعيات المتخصصة والمنظمات الدولية في توثيق الوقائع والتعريف بها على نطاق عالمي.
ميناب وجهة للذاكرة التاريخية والتعريف بالوقائع
من جانبه، شدد مدير عام حقوق الإنسان في وزارة الخارجية الإيرانية، حميد أحمدي، على ضرورة إبقاء فاجعة ميناب حاضرة في الذاكرة الجماعية، داعياً الوفود الأجنبية التي تزور إيران إلى إدراج زيارة مدينة ميناب ومدرسة «الشجرة الطيبة» ضمن برامجها، متى أمكن ذلك، للاطلاع على موقع الحادثة والتعرف على تفاصيلها.
وفي إشارة إلى الطبيعة الاستثنائية لما وصفه بـ«حرب رمضان»، قال أحمدي: إن هذا اليوم أصبح محطة غير مسبوقة في تاريخ الحروب، لتزامنه مع أحداث عدة، من بينها استشهاد قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)،  و فاجعتي ميناب ولامرد. وأضاف أنه في الوقت الذي يدعو فيه المجتمع الدولي إلى تسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية، يستهدف الطرف المعتدي المدنيين والمؤسسات التعليمية بهدف كسر إرادة الشعب الذي يتعرض للهجوم.
وأشار إلى أن الزيارات الميدانية، إلى جانب التوثيق المنهجي، يمكن أن تسهم في نقل رواية الأحداث إلى الرأي العام الدولي، مؤكداً أن التعريف بمعاناة السكان وحفظ شهاداتهم مسؤولية تتجاوز حدود المرحلة الراهنة، وتمتد إلى الأجيال المقبلة.
كما كشف عن جهود إيرانية لإنشاء نصب تذكاري لفاجعة مدرسة ميناب في أحد مقار الأمم المتحدة، على غرار النصب الذي أُقيم تكريماً لشهداء الأسلحة الكيميائية في سردشت، موضحاً أن تحقيق ذلك يتطلب استكمال الإجراءات القانونية والبروتوكولات المعتمدة.
التوثيق الثقافي والتعليم والسينما أدوات لحفظ الذاكرة
وفي إطار توسيع نطاق التعريف بالحادثة، اقترح جلاليان إدراجها ضمن المناهج الدراسية وإنتاج أعمال سينمائية على المستوى الدولي، بما يتيح تقديم رواية موثقة للأحداث من خلال وسائل ثقافية وتعليمية متعددة. كما دعا إلى توظيف الطاقات الأكاديمية والمؤسسات المتخصصة ومشاركة المجتمع في توثيق الوقائع وعرض أبعادها القانونية والإنسانية أمام الرأي العام العالمي.
وأكد أن التجارب التاريخية، ومنها مأساة هيروشيما، أظهرت أهمية الذاكرة في تشكيل الوعي العالمي وتطوير القواعد القانونية الدولية، معتبراً أن توثيق الأحداث الراهنة يمكن أن يسهم في تعزيز النقاش بشأن حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
من جهته، وصف مستشار شؤون الإيثار والتضحية في وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، العميد سيد قاسم قاسمي، ما شهدته مدرسة ميناب بأنه فاجعة إنسانية ستظل آثارها حاضرة في نفوس الأسر المفجوعة والذاكرة الجماعية للمجتمع. وأشار إلى أنه زار المدينة والتقى عدداً من أسر الطلاب الذين قضوا في الحادثة، مؤكداً عمق معاناتهم وصعوبة تجاوز هذا المصاب في وقت قصير. وتناولت الندوة، التي شارك فيها أيضاً روزبه كردوني، مستشار الوزير والمدير العام لمكتب وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، وعدد من الباحثين والخبراء، الأبعاد القانونية والإنسانية والدولية للحادثة، مع التركيز على سبل توثيقها وضمان استمرار حضورها في الذاكرة العامة.
وتعكس المقترحات المطروحة توجهاً نحو توظيف المتاحف ومراكز الوثائق والمناهج التعليمية والإنتاج السينمائي في حفظ الذاكرة التاريخية، بحيث تصبح عملية التوثيق وسيلة للتعريف بالأحداث وصون شهادات المتضررين، وإتاحة مصادر موثوقة للباحثين والزوار والوفود الدولية.
البحث
الأرشيف التاريخي