لولا دا سيلفا المناصر لفلسطين لولاية رابعة..

البرازيل تواجه الهيمنة الأميركية واليمين المتطرف

/ لم يكن فوز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية جديدة في البرازيل مجرد انتصار انتخابي عابر، بل محطة سياسية تتجاوز حدود أميركا اللاتينية، لتضع مستقبل النظام الدولي وحدود النفوذ الأميركي وحق دول الجنوب العالمي في امتلاك قرارها المستقل أمام اختبار حقيقي. ففي مواجهة فلافيو بولسونارو، حُسمت جولة الإعادة لمصلحة لولا بنسبة 51.8% من الأصوات مقابل 48.2% لمنافسه.
وتأتي هذه النتيجة في ظل مساعٍ أميركية، خلال عهد دونالد ترامب، إلى توظيف الثقل الاقتصادي والسياسي لتعزيز النفوذ والضغط على الدول الأخرى. وهنا تبرز البرازيل بوصفها اختباراً مهماً لحدود هذه السياسة: دولة تمتلك ثروات استراتيجية هائلة، واقتصاداً مؤثراً، ومكانة محورية في أميركا اللاتينية، ودوراً فاعلاً داخل مجموعة بريكس والجنوب العالمي.  ويكتسب هذا التباين بُعداً إضافياً في الملف الفلسطيني؛ إذ جعل لولا الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات جزءاً من خطابه الدبلوماسي، في حين تبنّى فلافيو بولسونارو موقفاً أكثر قرباً من كيان الاحتلال. غير أن قيمة المواقف لا تُقاس بحدّة التصريحات وحدها، بل بمدى ترجمتها إلى خطوات سياسية ودبلوماسية وقانونية ملموسة، تساند حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وتضع حداً لازدواجية المعايير.
من هنا، لا يقتصر الرهان على بقاء لولا في السلطة، بل يمتد إلى قدرة البرازيل على تحويل وزنها الاقتصادي ومكانتها الدولية إلى استقلال سياسي فعلي، يحمي ثرواتها، ويوسّع خياراتها، ويمنحها القدرة على التعامل مع القوى الكبرى من موقع الندية لا التبعية. 
البرازيل ترفض الوصاية الأميركية
تمتلك البرازيل من الثروات والقدرات والمكانة الدولية ما يجعلها دولة قادرة على رسم مسارها بنفسها، فهي قوة اقتصادية وزراعية ومعدنية وطاقوية كبرى، وركيزة أساسية في أميركا اللاتينية، وصوت مؤثر داخل مجموعة بريكس والجنوب العالمي. وتكشف الرسوم الجمركية والضغط الاقتصادي التي انتهجتها إدارة ترامب تجاه البرازيل عن خطورة تحويل التجارة من أداة للتعاون المتبادل إلى وسيلة للتأثير في خيارات دولة ذات سيادة.
وبرز هذا الضغط في ظل التوتر بين واشنطن وبرازيليا، بعدما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 50% على الواردات البرازيلية، في سياق أزمة ارتبطت بموقف ترامب من محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو، التي وصفها بأنها «حملة اضطهاد». وقد كشف هذا التصعيد كيف يمكن للأدوات التجارية أن تتجاوز أهدافها الاقتصادية لتصبح وسيلة ضغط في نزاع سياسي. 
لقد جعل لولا دا سيلفا السيادة الوطنية محوراً في خطابه، رافضاً أن تُختزل مكانة بلاده في دور تابع داخل الاستراتيجية الأميركية. وقد عبّر لولا عن هذا الموقف في مواجهة ضغوط إدارة ترامب، قائلاً إن «البرازيل لن تمشي راكعة أمام الحكومة الأميركية».
لولا وفلافيو بولسونارو.. صراع على وجهة البرازيل
لم يقتصر التباين على السياسات الاقتصادية، بل امتد إلى اتجاه البرازيل السياسي وعلاقاتها الدولية. وبينما اتهم لولا واشنطن بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده، اختار فلافيو بولسونارو الاقتراب أكثر من ترامب، في تقاطع سياسي يضع البرازيل أمام مفترق طرق: إما توسيع استقلال قرارها وتنويع شراكاتها، أو العودة إلى دائرة نفوذ أميركي تسعى واشنطن إلى ترسيخها.
وفي المقابل، يتبنى لولا سياسة خارجية تقوم على تعدد الشراكات، مع الحفاظ على علاقات عملية مع واشنطن وتوسيع التعاون مع الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي. 
لكن المعركة لا تُحسم في صناديق الاقتراع وحدها؛ فالاستقطاب الداخلي ما زال حاداً، والمعارضة اليمينية تحتفظ بنفوذ برلماني واسع، ما يجعل قدرة لولا على تنفيذ برنامجه اختباراً لمدى قدرته على تحويل خطاب السيادة إلى سياسات فعلية. 
الثروات الاستراتجية .. التصنيع طريقاً إلى السيادة 
في ظل السباق الدولي المحموم على المعادن الاستراتيجية والنفط والموارد الزراعية، يفتح فوز لولا الباب أمام مرحلة تتحدد ملامحها بالسياسات التي ستعتمدها حكومته لحماية ثروات البرازيل وتعزيز استقلال قرارها الاقتصادي. فالتحدي لم يعد مقتصراً على مواجهة الضغوط الخارجية، بل بات مرتبطاً بكيفية تحويل الموارد الهائلة إلى قاعدة للتصنيع والتنمية، بدلاً من بقائها مواد خام تُصدَّر وتُراكم القيمة في اقتصادات أخرى.
وتتوقف ترجمة النتيجة الانتخابية إلى مكاسب فعلية على خيارات الحكومة المقبلة: توسيع التصنيع المحلي، والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية، وفرض شروط تضمن أن تخدم الاستثمارات الثروات الوطنية وتوفر قيمة مضافة داخل البلاد. كما أن تنويع الشراكات التجارية والاستراتيجية، بما فيها العلاقات مع الصين ودول الجنوب العالمي، يمكن أن يوسع هامش المناورة البرازيلي، شرط ألا يتحول تنويع الشركاء إلى شكل جديد من التبعية. وعليه، لن تكون النتيجة الانتخابية نهاية المعركة على توجه البرازيل، بل بداية مرحلة يتوقف مسارها على قدرة حكومة لولا على تحويل التفويض السياسي إلى سياسات ملموسة تحمي الثروات، وتدعم الإنتاج الوطني، وتوسع الشراكات من دون التفريط بالسيادة. 
فلسطين في قلب المواجهة الدبلوماسية
يبرز موقف لولا من القضية الفلسطينية بوصفه أحد أوضح أوجه الاختلاف بين نهجه السياسي ونهج معسكر بولسونارو. فمنذ العدوان على غزة، وجّه لولا انتقادات حادة للعمليات العسكرية الصهيونية، ودافع عن حماية المدنيين الفلسطينيين، ورفض التعامل مع المأساة الإنسانية باعتبارها نتيجة جانبية لا يمكن مساءلة المسؤولين عنها.
وفي فبراير/شباط 2024، وصف ما تقوم به حكومة العدو الصهيوني في غزة بأنه «إبادة جماعية»، ما تسبب بأزمة دبلوماسية مع كيان الاحتلال، مؤكداً أن حقه في الأمن لا يبرر حرمان الفلسطينيين من حقوقهم أو تدمير مقومات الحياة في القطاع. كما أيد لولا المسار القانوني الذي رفعته جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وجدد دعم البرازيل لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
وفي المقابل، أعلن فلافيو بولسونارو دعمه الصريح لكيان الاحتلال. وتكمن أهمية الموقف البرازيلي في أن البرازيل دولة كبرى من خارج المنطقة العربية، ولها وزن دبلوماسي واقتصادي وحضور في مجموعة بريكس والمؤسسات الدولية.
ختاماً، يشكّل فوز لولا محطة سياسية بارزة في البرازيل وأميركا اللاتينية، إذ يعيد اليسار إلى واجهة المشهد الإقليمي، في مواجهة صعود اليمين واتساع نفوذ القوى المحافظة. غير أن دلالة هذا الفوز ستتحدد بقدرة لولا على تحويله إلى مشروع حكم مستقر، عبر بناء تفاهمات مع برلمان معارض، واعتماد سياسات مالية واقتصادية مقنعة، وترميم الثقة بالمؤسسات في ظل استقطاب داخلي عميق. وبين تحديات الداخل وضغوط الخارج، سيكون الاختبار الحقيقي لولايته الجديدة مدى قدرته على حماية استقلال القرار البرازيلي، وتوظيف ثروات البلاد لتعزيز التنمية، وترجمة مواقفه الدولية، وفي مقدمتها دعم الحقوق الفلسطينية، إلى خطوات عملية. فالفوز يمنح لولا فرصة سياسية جديدة، لكن السيادة لا تُحسم في صناديق الاقتراع وحدها، بل بما تفرضه السياسات اللاحقة من وقائع على الأرض.
البحث
الأرشيف التاريخي