موظفاً الإخفاق الأمني انتخابياً

عملية الخليل تُسقط أوهام الردع.. ونتنياهو يصعدّ العدوان على الضفة

/ كشفت عملية الخليل، التي أسفرت عن مقتل جنديين صهيونيين وإصابة أربعة آخرين، واستشهاد الشابين الفلسطينيين حمودة وأحمد الجعبة، عن مأزق أعمق يواجه الاحتلال في الضفة الغربية: مأزق الاعتقاد بأن القوة العسكرية والحصار والاستيطان قادرة على إخضاع شعب يواصل التمسك بحقه في الحرية ومقاومة الاحتلال وتقرير المصير. فبدلاً من أن تدفع العملية حكومة بنيامين نتنياهو إلى مراجعة سياساتها الأمنية والعسكرية، سارعت إلى التهديد بعدوان واسع وغير مسبوق منذ عام 1967، في خطاب يتزامن مع اقتراب الانتخابات الصهيونية، ويكشف تداخل الحسابات الانتخابية مع القرارات العسكرية.
وسرعان ما انتقلت هذه التهديدات من التصريحات إلى الميدان، إذ بدأ جيش الاحتلال عملية عسكرية واسعة في الخليل ومناطق أخرى من الضفة الغربية، تخللتها مداهمات للمنازل وإغلاق للطرق وتشديد للحصار، إلى جانب الاستعدادات لإخلاء أحياء في الخليل وتفتيشها. وطالت هذه الإجراءات حياة الفلسطينيين اليومية، وعرّضت المدنيين لمزيد من القيود والمخاطر.
عملية الخليل.. ضربة أمنية تربك حسابات الاحتلال
وفقاً للتحقيق الأولي الذي أوردته إذاعة جيش الاحتلال، وصل منفّذا العملية، صباح الجمعة، إلى المدخل الشمالي لمدينة الخليل، وتحديداً إلى حاجز فرش الهوى، قرابة الساعة السابعة والنصف صباحاً، حيث كانت قوة عسكرية تقيم نقطة تفتيش مؤقتة لفحص المركبات الخارجة من المدينة.
ووفق رواية جيش الاحتلال، كان الشابان يعتزمان الوصول إلى شارع 35 الذي يسلكه المستوطنون، لكنهما قررا استهداف نقطة التفتيش بعدما تعذّر عليهما عبورها. وترجّل الاثنان من مركبتهما، وكانا يحملان بندقية آلية من طراز «M4» ومسدساً، وأطلقا النار باتجاه الجنود، ما أدى إلى مقتل جنديين صهيونيين وإصابة أربعة آخرين. واستمر الاشتباك أكثر من عشرين دقيقة، قبل وصول تعزيزات عسكرية واستشهاد المنفذين، فيما تحدثت المصادر الصهيونية عن العثور على كميات كبيرة من الذخيرة داخل المركبة.
وتضع العملية الرواية الصهيونية بشأن تراجع العمليات الفلسطينية أمام اختبار جديد، فيما أشار التحقيق الأولي إلى عدم وجود تحذيرات استخباراتية مسبقة. وتواصل أجهزة الاحتلال التحقيق لتحديد ما إذا كان المنفذان قد تحركا بصورة فردية أم ضمن خلية مرتبطة بجهة أخرى. وتطرح هذه المعطيات تساؤلات بشأن قدرة الإجراءات العسكرية المكثفة على منع الهجمات، وفعالية المنظومة الأمنية التي تتباهى بها حكومة الاحتلال.
نتنياهو يستثمر العملية انتخابياً.. الأمن شعاراً والعدوان سياسة
لم ينتظر بنيامين نتنياهو طويلاً قبل توظيف عملية الخليل في معركته السياسية، فسارع إلى زيارة المنطقة برفقة وزير حربه يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير، معلناً الاستعداد لتنفيذ عملية عسكرية واسعة لم يشهد جيش الاحتلال مثيلاً لها منذ حرب الأيام الستة عام 1967. كما هدّد باقتحام الأحياء التي خرج منها المنفذان، وإخلاء سكانها وتفتيش المنازل بحثاً عن الأسلحة، متوعداً بتدمير ما وصفه بـ«البنية التحتية للإرهاب».
تأتي هذه التصريحات في لحظة انتخابية حساسة، تشير فيها استطلاعات الرأي إلى تقارب المعسكرات السياسية وصعوبة ضمان حصول أي منها على أغلبية برلمانية مستقرة. وفي مثل هذه الظروف، يوظّف نتنياهو خطاب القوة لاستقطاب الناخبين اليمينيين وتقديم نفسه بوصفه القادر على فرض السيطرة. غير أن استعراض القوة لا يثبت بالضرورة نجاح السياسة الأمنية؛ بل قد يكشف محاولة للهروب من الأسئلة المتعلقة بإخفاقات الحكومة ومسؤوليتها عن استمرار المواجهة.
ويكمن الخطر في تحويل معاناة الفلسطينيين إلى ورقة انتخابية، وتقديم التصعيد بوصفه إنجازاً سياسياً، فيما تظل احتمالات الدمار والنزوح وتفاقم الأزمة الإنسانية قائمة. فالاعتبارات الانتخابية لا تبرر العقاب الجماعي، ولا تمنح أي حكومة غطاءً لانتهاك حقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال.
الخليل تحت الحصار.. العقاب الجماعي لن يصنع أمناً
ترافقت تهديدات نتنياهو مع فرض طوق أمني على الخليل وحلحول، وإغلاق مداخل المحافظة ومخارجها، وتقييد حركة الأهالي، وتنفيذ مداهمات واعتقالات. كذلك أوعز وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بهدم مجموعة من المباني الفلسطينية في محيط موقع العملية، وبدأ تنفيذ عمليات الهدم، فيما دعا إلى شن حرب شاملة على الضفة الغربية. أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، فجدّد مطالبته بتفكيك السلطة الفلسطينية ونزع سلاحها وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين.
تكشف هذه الإجراءات خطورة المقاربة الصهيونية التي توسّع دائرة العقاب لتشمل المجتمع المحيط بالأفراد. فإغلاق الطرق وتعطيل الحياة اليومية وهدم المباني لا تقتصر آثارها على من قاوم العدو، بل تطاول عائلات ومدنيين لا يجوز تحميلهم مسؤولية جماعية. كما أن إخلاء السكان قسراً أو تدمير ممتلكاتهم لأسباب عقابية يثيران إشكاليات قانونية خطيرة، في ظل الحماية التي يفرضها القانون الدولي الإنساني على السكان المدنيين في الأراضي المحتلة. وإذا مضت حكومة الاحتلال في تهديداتها بتوسيع العمليات العسكرية على غرار ما شهدته مخيمات جنين وطولكرم، فإن الخليل قد تواجه موجة جديدة من الدمار والنزوح والتدهور الإنساني.
الاستيطان والعدوان وجهان لسياسة فرض الوقائع
لم يكتفِ نتنياهو بالتهديد بالتصعيد العسكري، بل تفاخر أيضاً بالعمل على بناء وتأهيل أكثر من مئة مستوطنة جديدة، إلى جانب أكثر من مئة بؤرة استيطانية. ويكشف هذا التزامن عن ارتباط الخطاب الأمني بمشروع فرض الوقائع على الأرض: فبينما تتذرع الحكومة بحماية المستوطنين، تواصل توسيع الوجود الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يفاقم التوتر ويقوّض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.
وأكد مجلس الأمن الدولي، في القرار 2334، أن المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، ليس لها شرعية قانونية، ودعا إلى وقف الأنشطة الاستيطانية. وعليه، لا يمكن فصل التوسع الاستيطاني عن سياسات السيطرة على الأرض الفلسطينية، أو تبريره بمجرد رفع الشعارات الأمنية. 
صراع صهيوني داخلي.. من يتحمل مسؤولية الإخفاق؟
فجّرت عملية الخليل سجالاً حاداً داخل الساحة السياسية الصهيونية، كاشفةً صراعاً على المسؤولية عن الإخفاق الأمني. فقد اتهم أفيغدور ليبرمان نتنياهو بتوظيف الحدث انتخابياً، فيما حمّل يسرائيل كاتس قادة المعارضة مسؤولية هجمات محتملة. وردّ يائير لابيد على هذه التصريحات باتهام الحكومة بالتنصل من مسؤوليتها عن الإخفاقات، بينما اتهم غادي آيزنكوت وزير الأمن بالتهرب من المسؤولية.
ويكشف هذا التراشق أن الأمن بات ورقة للمزايدة الحزبية، يتنافس فيها السياسيون على إظهار من هو أكثر تشدداً بالفلسطينيين. لكن جوهر الإخفاق يتجاوز الحسابات الاستخباراتية؛ فسنوات القوة والحصار والاستيطان لم تُنهِ الصراع، ولا يمكن أن تحقق أمناً دائماً ما دامت أسباب المواجهة، وفي مقدمتها الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم، قائمة.
عملية الخليل تُربك حسابات الاحتلال.. والمواجهة مفتوحة
تضع عملية الخليل منظومة الاحتلال أمام سؤال عجزت سنوات القمع والحصار والاستيطان عن حسمه: هل تستطيع القوة العسكرية إخضاع شعب متمسك بأرضه ورافض للاحتلال؟ 
تكمن الدلالة الأهم لعملية الخليل في أنها وضعت المنظومة الأمنية الصهيونية أمام اختبار جديد قبيل الانتخابات، في مرحلة يحتاج فيها نتنياهو إلى إبقاء الجبهة الداخلية هادئة وخالية من الاختراقات الأمنية التي قد تعزز الصورة المترسخة عنه في المجتمع الإسرائيلي، بوصفه مسؤولًا عن الإخفاق في توفير الأمن.
البحث
الأرشيف التاريخي