تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
تعزيز الروابط الأوراسية والتكامل لإنقاذ بحر قزوين؛ رسالة قمتي تركمانستان
تمثّلت القمة الأولى في اجتماع قادة رابطة الدول المستقلة (CIS)، والتي وجّهت بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيسها، بطاقة دعوة رسمية للمرة الأولى إلى الرئيس بزشكيان للمشاركة بصفته ضيفاً خاصاً.
واستمع قادة رابطة الدول المستقلة، الذين كانوا قد قرروا في قمتهم السابقة توسيع تفاعلاتهم وشراكاتهم مع سائر الدول والمنظمات الدولية، الجمعة (9 تشرين الأول/ أكتوبر 2026م)، إلى مقترح رئيس الجمهورية، الذي طرح آلية «رابطة الدول المستقلة بلس» في صيغة «رابطة الدول المستقلة زائدا واحد (إيران)».
وفي الختام، أكد قادة رابطة الدول المستقلة، في ختام اجتماعهم، على تعزيز التعاون وأواصر الصداقة، وتوسيع آفاق التنسيق لضمان أمن منطقة أوراسيا، موقّعين 15 وثيقة تعاون مشترك.
بحر قزوين؛ فرصة للتعاون لصالح شعوب المنطقة
أمّا القمة الاستثنائية لقادة الدول المشاطئة لبحر قزوين، والتي وُصفت في تركمانستان بأنها القمة البيئية الأولى لهذه الرقعة المائية بحضور القادة، فكانت ساحة لطرح رؤى ومقترحات قادة الدول الخمس المطلة على هذا البحر.
وأكد رئيس جمهورية تركمانستان سردار بردي محمدوف، بصفته مستضيف القمة، في كلمة له: «إن تحسين الوضع البيئي والإيكولوجي لبحر قزوين يُعد إحدى الأولويات الرئيسية للسياسة الداخلية والخارجية لتركمانستان». ولفت إلى أن «تركمانستان على أتم الاستعداد لمواصلة التعاون في حزمة كاملة من القضايا البيئية المرتبطة ببحر قزوين انطلاقاً من مسؤوليتها».
مقترح إيران: صياغة وتنفيذ برنامج إقليمي طويل الأمد
من جانبه، صرح رئيس الجمهورية، في كلمته خلال هذه القمة، مؤكداً أن أياً من الدول المشاطئة لا يمكنها بمفردها إنقاذ بحر قزوين: «إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع ترحيبها بقرار القمة تشكيل لجنة رفيعة المستوى مؤلفة من نواب رؤساء حكومات الدول المشاطئة، تقترح صياغة وتنفيذ برنامج إقليمي طويل الأمد في إطار اتفاقية طهران للتصدي لظاهرة انخفاض منسوب مياه بحر قزوين».
وشدد الرئيس بزشكيان على أنه في عالم اليوم المليء بالأزمات المتعددة، والتنافسات الجيوسياسية، والحروب، وإجراءات الحظر الأحادية، وتقويض التعددية، يمكن للتعاون البيئي أن يمثل أحد الميادين الهامة لبناء الثقة والتقارب بين دول المنطقة، مصرحاً: «نحن نؤمن بأن البيئة لا ينبغي أن تقع ضحية للخلافات السياسية، أو التنافس الاقتصادي، أو التدخلات من خارج المنطقة؛ بل يجب على الدول المشاطئة، بالاعتماد على طاقاتها العلمية، والفنية، والمالية، والبشرية، أن تقرر مصير بحر قزوين في إطار التعاون الإقليمي وبالاحترام الكامل للسيادة الوطنية والمصالح المشروعة لبعضها البعض». وقال رئيس الجمهورية: «لم يعد انخفاض منسوب مياه بحر قزوين مجرد هاجس بيئي فحسب؛ بل تحولت هذه الظاهرة إلى قضية اقتصادية، واجتماعية، وإنسانية، وحتى أمنية للمنطقة. إن انحسار المياه يواجه الموانئ والبنى التحتية الساحلية بصعوبات وعراقيل، ويقضي على الموائل الطبيعية، ويهدد معيشة الصيادين والمجتمعات المحلية، ويؤثر سلباً على الأمن الغذائي وآفاق التنمية للدول المشاطئة».
ترحيب رئيس قازاخستان بموقف الرئيس بزشكيان
وفي سياق أعمال القمة، أعلن رئيس كازاخستان جومارت توكاييف تأييده لطرح الرئيس بزشكيان، قائلاً: «أتفق مع رؤية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في أن ظاهرة انخفاض منسوب مياه بحر قزوين لم تعد مجرد أزمة بيئية، بل باتت في جوهرها أزمة اقتصادية ذات عواقب وتداعيات بالغة الخطورة».
وذكّر قاسم جومارت توكاييف بأنه «بين عامي 2000م و2025م، تقلصت المساحة الإجمالية لبحر قزوين بأكثر من 16 ألف كيلومتر مربع؛ وفي بعض المناطق، تراجع خط الساحل عشرات الكيلومترات، كما أن تراجع تدفق المياه، وارتفاع درجات الحرارة، والضغوط الناجمة عن الأنشطة البشرية، تترك أثراً سلبياً ومدمراً على المنظومة الطبيعية الهشة للبحر وتنوعه الحيوي».
وفي جانب آخر من حديثه، أضاف توكاييف: «لا يمكن دراسة الوضع الحرج لبحر قزوين بمعزل عن التغيرات المناخية الواسعة التي تؤثر على المنطقة، لاسيّما مع التوقعات التي تشير إلى إمكانية ارتفاع درجات الحرارة في بعض أجزاء المنطقة بما يصل إلى 5 درجات مئوية بحلول نهاية القرن الحالي».
بوتين: التغير المناخي السبب الرئيسي لانخفاض منسوب بحر قزوين
وأوضح الرئيس الروسي، خلال القمة، أن منسوب مياه بحر قزوين يشهد تراجعاً بمعدل 9 سنتيمترات سنوياً في المتوسط، مستنداً إلى أبحاث أجراها علماء روس ودوليون تؤكد أن التغير المناخي هو السبب في انخفاض منسوب مياه هذا البحر، ومشدداً على ضرورة التحرك العاجل واتخاذ خطوات مشتركة بين الدول الساحلية الخمس لحماية هذه الرقعة المائية.
وصرح فلاديمير بوتين: «إن انخفاض منسوب مياه بحر قزوين -والذي يبلغ وفق البيانات الروسية نحو 9 سنتيمترات سنوياً كمتوسط- يقترن بتبعات بيئية ضارة متعددة، ويؤدي إلى تراجع الموارد الحيوية، وتضرر قطاع مصايد الأسماك، وتآكل التربة الساحلية؛ وتُعد هذه الأمور تهديداً حقيقياً وجاداً لكافة الدول المشاطئة لبحر قزوين». وتابع: «تثبت أبحاث الخبراء الروس والدوليين أن التغير المناخي هو المسبب الأساسي لانخفاض عمق بحر قزوين؛ فارتفاع متوسط درجات الحرارة السنوية يؤثر مباشرة في معدلات التبخر من سطح الماء، وكميات الأمطار، ومناسيب تدفق مياه الأنهار الفرعية، وتتفاقم هذه الحالة مع تبدل وتغير أنماط الرياح».
علييف: تراجع تدفق مياه الأنهار من العوامل الرئيسية لانخفاض المنسوب
بدوره، اعتبر الرئيس الأذربيجاني أن إيلاء الاهتمام الخاص بالوضع البيئي والإيكولوجي لبحر قزوين يمثل مسؤولية تقع على عاتق الدول المشاطئة له، قائلاً: «إن انخفاض منسوب مياه بحر قزوين لا يرتبط بالتغيرات المناخية وحدها، بل إن أحد العوامل الرئيسية المؤثرة يتمثل في تراجع تدفق مياه الأنهار، إلى جانب العوامل البشرية المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية».
وتابع إلهام علييف: «إننا في جمهورية أذربيجان نشهد انحسار خط الساحل، وتغيرات في النظام البيئي، وتحديات تشغيلية متزايدة للموانئ وسائر البنى التحتية الساحلية؛ ونتيجة لانخفاض منسوب مياه بحر قزوين، ظهرت قرابة 30 ألف هكتار من الأراضي الجافة في الشطر الأذربيجاني من البحر وحده». كما أشار إلى أن «بحر قزوين قرّب بين بلداننا وشعوبنا على مر القرون»، مشدداً على أن «الحفاظ على بحر قزوين كمنطقة للسلام والاستقرار والشراكة البناءة يكتسب أهمية جوهرية».
وقد أجمع قادة الدول المطلة على بحر قزوين على نقطة محورية مشتركة تمثلت في ضرورة التحرك الجماعي والفوري لإنقاذ بحر قزوين.
لقاء ثلاثي استثنائي
وشكّل اللقاء الثلاثي الذي جمع رؤساء كل من إيران وروسيا وأذربيجان في تركمانستان حدثاً بارزاً آخر لفت الأنظار نحو تقارب دول المنطقة لصياغة مشاريع بنّاءة تهدف لتنمية المنطقة وتحقيق الرفاهية لشعوبها.
وشدد بزشكيان وبوتين وعلييف، خلال هذا اللقاء، على أهمية تنمية التعاون بين دول المنطقة، مؤكدين ضرورة تعزيز التفاعلات المشتركة في حوض بحر قزوين وتوظيف الطاقات المتاحة للمضي قدماً بالأهداف المشتركة.
وفي هذا الصدد، صرح المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحفيين قائلاً: «جرى خلال اللقاء الثلاثي لرؤساء روسيا وإيران وأذربيجان تبادل وجهات النظر حول القضايا المرتبطة بأطر التعاون بين الدول الثلاث في مختلف المجالات، بما في ذلك قطاع الطاقة وسائر القطاعات الأخرى».
وقبل هذا اللقاء، تناقلت وسائل الإعلام الروسية أصداء الحوار المقتضب الذي دار بين وزراء خارجية كل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية وروسيا الاتحادية وجمهورية أذربيجان قبيل انطلاق القمة الصباحية لقادة رابطة الدول المستقلة يوم الجمعة في تركمانستان.
وهكذا، حملت قمتا تركمانستان تأكيداً متجدداً على أن قضايا المنطقة قابلة للحل بأيدي دول المنطقة ذاتها وبمعزل عن اللاعبين من خارجها، وأنه لا سبيل أمام دول الجوار سوى الصداقة وتضافر الجهود المشتركة لبناء غدٍ أفضل.
