الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وثمانية وستون - ٠٥ أكتوبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وثمانية وستون - ٠٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

مقامرة لندن بدعمها العسكري للإجراءات ضدّ اليمن

حميد خوش آيند
خبير في الشؤون الإقليمية


إن قرار لندن تقديم الدعم العسكري للسعودية في الملف اليمني، بما يتجاوز مهمة جوية محدودة، يمكن أن يعرّض بريطانيا لتداعيات قانونية وأمنية واقتصادية واستراتيجية واسعة.
فعلى الرغم من أن الحكومة البريطانية حاولت اختزال مسألة إرسال طائرة واحدة للتزوّد بالوقود من طراز «فوييجر» إلى المنطقة، في إطار تلبية طلب السعودية للحصول على «دعم دفاعي ومؤقت»، فإن هذا الإجراء لا يمكن تقييمه في هذا الإطار المحدود فحسب. فهذا القرار من شأنه، عملياً، أن يرفع مستوى انخراط لندن في واحدة من أكثر الحروب الإقليمية تعقيداً واستنزافاً. ولا ينبغي أن ننسى أن السعودية تواجه منذ سنوات صعوبات جدية في إدارة تداعيات هذه الحرب.
وفي الوقت نفسه، يطرح ذلك سؤالاً مفاده: هل تستطيع لندن، من خلال مهام محدودة، أن تحافظ على مكانتها بين دول الساحل الجنوبي للخليج الفارسي، وفي الوقت نفسه تتجنب تداعيات الانخراط بصورة أكبر في الملف اليمني؟ ومع الأخذ في الاعتبار أن واشنطن لم تقدّم هي الأخرى التزاماً مباشراً بالدخول عسكرياً على نطاق واسع في هذا الملف، فإن زيادة الدور البريطاني يمكن أن توسّع نطاق المسؤوليات والمخاطر المترتبة على هذا القرار بالنسبة إلى بريطانيا.
أبعاد الحضور التاريخي والاستراتيجي البريطاني في اليمن
لا يمكن دراسة الدور البريطاني في اليمن منذ عام 2015 فقط. فقد كانت عدن والسواحل الجنوبية لليمن، منذ القرن التاسع عشر، جزءاً من منظومة الاتصالات والممرات البحرية للإمبراطورية البريطانية بين الهند والخليج الفارسي والبحر الأحمر وقناة السويس.
كما أن باب المندب ليس مجرد مضيق إقليمي، بل يُعد عنق الزجاجة الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وطريق السويس، وترتبط أمنه بالمصالح التجارية والبحرية للقوى الأجنبية، ومنها بريطانيا. كما أن سجل الحضور البريطاني في اليمن خلال السنوات الخمس عشرة الماضية امتدّ من إدارة عملية الانتقال السياسي بعد عام 2011، إلى الحضور العسكري المباشر على الأراضي اليمنية، وصولاً إلى دعم القدرات الجوية السعودية في الوقت الراهن. وتُظهر الوثائق الرسمية للبرلمان البريطاني أن لندن، إلى جانب بيع الأسلحة للسعودية، سرّعت بعد اندلاع الحرب عام 2015 تسليم القنابل الموجّهة، وزادت من تدريب القوات على الاستهداف واستخدام الأسلحة، ونشرت ضباط ارتباط لها في مقار القيادة السعودية. وخلال السنة الأولى من الحرب وحدها، أصدرت بريطانيا تراخيص لتصدير أسلحة إلى السعودية بقيمة نحو 3/3 مليارات جنيه إسترليني.
ويشير هذا السجل إلى أن الدور البريطاني لم يقتصر على الدعم السياسي، بل اقترب في بعض جوانبه من التعاون العملياتي أيضاً؛ وهو ما يمكن أن يزيد المسؤولية السياسية والقانونية الملقاة على عاتق لندن.
التداعيات القانونية والاعتبارية
من المنظور القانوني، يمكن أن تترتب على الدعم العسكري البريطاني تداعيات مهمة بالنسبة إلى هذا البلد. وتُظهر الوثائق المنشورة أن طائرات التزوّد بالوقود التابعة لسلاح الجو البريطاني دعمت في عام 2025 الهجمات الأمريكية على اليمن، وقدّرت وزارة الدفاع الأمريكية أن هذه الهجمات أدت «على الأرجح» إلى سقوط 281 ضحية مدنية. كما حذّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من أن مشاركة بريطانيا «قد تجعلها شريكة في جرائم حرب».
ومن المؤكد أن استمرار هذا المسار يمكن أن يمهّد لرفع قضايا قانونية دولية، وممارسة ضغوط دبلوماسية، وزيادة الانتقادات من جانب الرأي العام، والإضرار بسمعة بريطانيا في مجال حقوق الإنسان. ومن هذا المنظور، فإن الضرر الذي قد يلحق بالسمعة جراء دعم العمليات العسكرية يُعد أحد أهم التداعيات التي ستواجهها لندن.
التداعيات الاقتصادية والأمنية على بريطانيا
أعلن المسؤولون البريطانيون أن الهدف من هذا الإجراء هو الحفاظ على طرق الملاحة البحرية ومنع ارتفاع تكاليف المعيشة في بريطانيا. إلا أن استمرار الدعم العسكري لأحد أطراف الحرب يمكن أن يؤدي أيضاً إلى نتيجة معاكسة لهذا الهدف؛ إذ إن تصعيد الصراع أو إطالته من شأنه أن يزيد من انعدام أمن طرق الملاحة البحرية. وأي اضطراب في باب المندب يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين على النقل، وأسعار السلع، وأن يزيد الضغوط التضخمية في أوروبا وبريطانيا. وبالتالي، فإن سياسة يجري اتباعها بهدف حماية التجارة والسيطرة على التكاليف الداخلية قد تؤدي، في حال استمرار انعدام الأمن البحري، إلى زيادة جزء من هذه التكاليف نفسها، وفرض ضغوط أكبر على الأسر والاقتصاد البريطاني.
خطر اتساع نطاق الصراع واستنزاف القدرات البريطانية
يمكن للدعم البريطاني، حتى وإن كان محدوداً وغير مباشر، أن يؤثر في استمرار العمليات العسكرية ضدّ اليمن، وأن يزيد خطر اتساع نطاق الحرب أو تحولها إلى صراع أكثر استنزافاً. كما يرى مسؤولو أنصار الله أن هذا الإجراء يمثل دليلاً على المشاركة المباشرة للندن في العمليات العسكرية ضدّ اليمن. ومن شأن تشكّل مثل هذا الانطباع أن يعرّض المصالح البريطانية في المنطقة، من السفن والقواعد إلى الشركات والمواطنين البريطانيين، لأعمال انتقامية. من جهة أخرى، فإن انخراط بريطانيا في الوقت نفسه في عدة ساحات عسكرية، من بينها أوكرانيا وشرق آسيا، يثير أيضاً مسألة تجاوز التدخل الاستراتيجي لقدرات هذا البلد. ويمكن لزيادة الالتزامات العسكرية أن تضع الموارد المالية والعسكرية والسياسية للندن تحت ضغط، ولا سيما في ظل عدم حسم الدعم الأمريكي لدخول مباشر وواسع في الملف اليمني. كما أن استمرار هذه السياسة يمكن أن يؤدي إلى تصاعد النقاشات الداخلية بشأن شفافية المهمة، والمسؤولية القانونية، وتكاليفها داخل البرلمان البريطاني وفي أوساط الرأي العام. ولذلك، فإن تداعيات دعم السعودية في اليمن لا تقتصر على ساحة المعركة، بل يمكن أن تؤثر أيضاً في المكانة الإقليمية لبريطانيا وقدرتها على تنفيذ سياستها الخارجية. يمكن تحليل الدعم العسكري البريطاني للسعودية في الحرب ضدّ اليمن في إطار مساعي لندن طويلة الأمد للحفاظ على نفوذها الإقليمي وتأمين طرق التجارة والطاقة، إلا أن توسيع هذا الدور يمكن أن يفرض تكاليف ومسؤوليات جديدة على بريطانيا. ومن بين أهم هذه التداعيات المسؤوليات القانونية والاعتبارية، وزيادة المخاطر الأمنية، والضغوط على طرق التجارة والطاقة، واحتمال استنزاف القدرات العسكرية والسياسية.
من هذا المنظور، فإن استمرار المسار الحالي يمكن أن يورّط لندن بصورة أكبر في حرب لن يكون الخروج منها سهلاً، وقد تتجاوز تكاليفها المنافع المتوقعة على المدى القصير. وبناءً على ذلك، فإن حجم الدعم البريطاني للعمليات المرتبطة باليمن واستمراره سيتحولان إلى أحد الموضوعات المهمة في تقييم مستقبل دور هذا البلد في غرب آسيا.

البحث
الأرشيف التاريخي