الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وثمانية وستون - ٠٥ أكتوبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وثمانية وستون - ٠٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

موجة الاحتجاجات المناهضة للكيان تنتقل من الشارع إلى قلب المؤسسات البريطانية

/ امتدّت موجة الاحتجاجات المناهضة للكيان الصهيوني في بريطانيا، التي حوّلت خلال السنوات الأخيرة الشوارع إلى ساحات لمظاهرات حاشدة مؤيدة لفلسطين، إلى مستويات أعمق من البنية السياسية والاجتماعية في البلاد، مع تنامي الضغوط داخل قطاعات الرعاية الصحية، والنقابات العمالية، والمؤسسات المهنية، والبرلمان.
وأعلنت «الكلية الملكية للتمريض في بريطانيا»، التي تمثل أكثر من نصف مليون ممرض وكادر صحي، قطع تعاونها التجاري مع شركة «تيفا بريطانيا»، التابعة لشركة الأدوية العائدة للكيان الصهيوني «تيفا»، وإلغاء الرعاية المالية المقدمة من هذه الشركة لإحدى ندواتها التخصصية.
ويطالب الناشطون المؤيدون لفلسطين الآن المؤسسات الطبية المهنية الأخرى في بريطانيا بإعادة النظر في علاقاتها المالية مع هذه الشركة. ويُظهر هذا القرار أن الاحتجاج على سياسات الكيان الصهيوني لم يعد مقتصراً على المسيرات الشعبية في الشوارع فحسب، بل نفذ إلى القرارات المالية والمهنية لواحدة من كبرى التكتلات في قطاع الصحة ببريطانيا.
وانطلق هذا المسار بطبيعة الحال منذ مدة طويلة في أوساط الأطباء والكوادر العاملة في منظومة الرعاية الصحية؛ إذ طالبت الكلية الملكية للتمريض، إلى جانب الكلية الملكية للأطباء، والكلية الملكية للممارسين العامين، والكلية الملكية لطب الأطفال وصحة الطفل، في رسالة مشتركة إلى الحكومة البريطانية، بتكثيف الضغط لضمان دخول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية دون قيود إلى غزة، ونقل الأطفال الفلسطينيين المرضى والجرحى لتلقي العلاج بما في ذلك في المستشفيات البريطانية، ووقف الهجمات على المرافق الصحية والكوادر الطبية. بالتزامن مع ذلك، حوّل ملف تعاون منظومة الرعاية الصحية البريطانية مع شركة «بالانتير» الأمريكية، قضية فلسطين إلى نزاع داخلي آخر في قطاع الرعاية الطبية. وسجّل أكثر من 44 ألف شخص خلال الأيام الأخيرة اعتراضهم القانوني على معالجة بياناتهم الطبية في منظومة بيانات خدمة الصحة الوطنية البريطانية (NHS) التي تعتمد تكنولوجيا «بالانتير». وذكر معارضو هذا التعاون أن أحد دوافع انعدام ثقتهم يعود إلى العلاقات التي تربط شركة «بالانتير» بجيش الكيان الصهيوني. وطلبت لجنة الصحة والرعاية الاجتماعية في مجلس العموم، والتي تضم نواباً من مختلف الأحزاب، في تموز/ يوليو من العام الجاري، من الحكومة البريطانية إنهاء التعاون مع «بالانتير» عند حلول أول فرصة قانونية لمراجعة العقد، والبحث عن بديل لمنظومة هذه الشركة. وحذّرت هذه اللجنة من «فقدان ثقة جاد» لدى قسم من الرأي العام بشركة «بالانتير»، وأعلنت أن مناخاً كهذا قد يثني المرضى حتى عن تقديم معلوماتهم الطبية لخدمة الصحة الوطنية (NHS).
ولا يقتصر نطاق الضغوط على قطاع الرعاية الصحية؛ فقد أقرّ مؤتمر نقابات العمال في بريطانيا، المعروف اختصاراً بـ«TUC»، في اجتماعه السنوي المنعقد في أيلول/ سبتمبر، قراراً بشأن فلسطين يدعم توسيع حملات المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وممارسة الضغط الاقتصادي ضدّ المؤسسات والشركات المرتبطة باحتلال الأراضي الفلسطينية.
وطالب هذا القرار، الذي صُودق عليه بإسناد من نقابات كبرى عدة منها «يونيسون»، بفرض قيود على المبادلات التجارية مع مستوطنات الكيان الصهيوني، ووقف التعاون العسكري، ودعم حملات المقاطعة في مواقع العمل.
ويكتسي دخول مؤتمر نقابات العمال «TUC» في هذه الحملة أهمية استثنائية؛ لكون هذا الكيان يُمثّل المظلة الحاضنة لنقابات العمال في بريطانيا، وتضم عضويته 47 نقابة تمثل في مجموعها نحو 3/5 مليون عامل. ولا يتبع مؤتمر «TUC» بحد ذاته لحزب العمال، بيد أن عدداً من كبرى النقابات المنضوية تحت لوائه، مثل يونيسون (Unison)، ويونايت (Unite)، وجي إم بي (GMB)، تُعدّ نقابات تابعة لحزب العمال وتسهم بفاعلية في البنية السياسية والتنظيمية لهذا الحزب. وتصاعد في الوقت نفسه الضغط السياسي داخل المؤسسة التشريعية البريطانية؛ إذ طالب قرابة 140 نائباً من حزب العُمال قبل أربعة أشهر، في مذكرة رُفعت إلى الحكومة، بوقف المعاملات التجارية البريطانية مع مستوطنات الكيان الصهيوني في الضفة الغربية. ونادى الحزب الليبرالي الديمقراطي بدوره بحظر التجارة في السلع والخدمات مع هذه المستوطنات، فيما حثت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم الحكومة في وقت سابق على اتخاذ الترتيبات التمهيدية لفرض حظر شامل على واردات المستوطنات.
وعدّلت الحكومة البريطانية، في الأسابيع الأخيرة، جانباً من سياساتها أمام هذه الضغوط المتلاحقة؛ إذ أعلن وزير خارجية بريطانيا إد ميليباند، في 8 أيلول/ سبتمبر 2026، حظر الإعلانات الترويجية لبيع العقارات القائمة في المستوطنات غير الشرعية داخل بريطانيا، مؤكداً أن لندن سترفض طلبات تراخيص التصدير التي تساهم في تكريس احتلال الأراضي الفلسطينية.
ورغم هذه الخطوات، لم تتوقف الضغوط السياسية عند هذا الحد؛ إذ طالب برلمانيون من شتى الأحزاب في مجلس العموم بالوقف التام لكافة مبيعات الأسلحة إلى الكيان الصهيوني، وقطع مسارات إمداد قطع غيار مقاتلات «إف-35»، وإجراء مراجعة شاملة لطبيعة علاقات لندن مع هذا الكيان. من زاوية أخرى، لا تزال الضغوط الشعبية في الشارع ماضية في زخمها؛ حيث شهدت أروقة المؤتمر الأخير لحزب العُمال في ليفربول تنظيم فعاليات ومسيرات مؤيدة لفلسطين، وخرج مئات المحتجين إلى الشوارع تنديداً بالسياسة الحكومية المتبعة حيال غزة.
كما واجه ناشطان مؤيدان لفلسطين الوزير إد ميليباند داخل أحد المطاعم خلال فترة المؤتمر لمساءلته بلهجة حادة بشأن سياسة الحكومة تجاه غزة. واعترف ميليباند في المؤتمر نفسه، في حديث موجّه إلى منتقدي السياسة الحكومية السابقة حيال فلسطين، بأن ضغوطهم قد تركت أثرها الملموس على قرارات الحكومة، ودافع عن تبديل لندن لنهجها تجاه قضية المستوطنات ومجريات الأحداث في قطاع غزة.
ويتزامن هذا التحول مع سياق تنتقل فيه المسألة الفلسطينية بصورة تدريجية من خانة قضايا السياسة الخارجية لتغدو أحد العوامل الجوهرية المؤثرة في التنافس السياسي الداخلي البريطاني.
وأثبتت وقائع الانتخابات العامة لعام 2024 وما تلاها من انتخابات محلية أن الموقف الذي تتبناه الأحزاب إزاء غزة يمتلك قدرة فعلية على توجيه السلوك الانتخابي، وتحديداً في الدوائر التي تحتضن كثافة ملحوظة من المواطنين المسلمين، أو ضمن شرائح المصوتين من فئتي الشباب وتيارات اليسار. ولذلك، لا يُمثّل تدفق الاحتجاجات من قارعة الطريق إلى أروقة المشافي والنقابات والجامعات والمجالس والبرلمان مجرد حراك مجتمعي عابر؛ بل بات هذا المسار يرتبط برباط وثيق بالحسابات الانتخابية للأحزاب البريطانية.
ويجابه حزب العُمال ضغوطاً متنامية بغية صيانة جزء من قاعدته الجماهيرية التقليدية في صفوف الشباب، والأقليات القومية، والنقابات العمالية، والحركات التقدمية، في حين تنشط أحزاب الخضر والليبراليين الديمقراطيين والمرشحين المستقلين لاقتناص حالة السخط السائدة إزاء سياسة لندن تجاه فلسطين واستثمارها انتخابياً.
ولم تعد القضية الفلسطينية، في ظل هذه البيئة السياسية، شأناً تستطيع الأحزاب الرئيسية في بريطانيا اختزاله في النطاق الدبلوماسي للسياسة الخارجية أو فصله عن الانشغالات والهموم الداخلية.
ويُبيّنُ تواصل التظاهرات، وانخراط الاتحادات المهنية والنقابات في حملات المقاطعة، وتعاظم الضغط تحت قبة البرلمان، أن هذا المطلب الاجتماعي المتصاعد قد غدا، مع اقتراب المنافسات الانتخابية المقبلة، أحد المتغيرات البارزة في هندسة السياسة الداخلية البريطانية، مما يُلزم الأحزاب، حرصاً على صون قواعدها الانتخابية، بإدراجه كبند حاسم ضمن حساباتها السياسية.
البحث
الأرشيف التاريخي