ذروة تطوّر الدفع بالوقود السائل..
«سرير»؛ بوّابة إيران نحو المدار الثابت
كبري أميري
في المحطة الأولى من الرحلة، نتوقف عند حامل أقمار صناعية يُعرف اسمه في الأدبيات الدفاعية والفضائية للبلاد كرمزٍ للقدرة على الوصول إلى المدارات العليا (High Orbits)، وهو حامل الأقمار الصناعية «سرير».
وإذا كانت حاملات الأقمار الصناعية ذات الوقود الصلب (مثل «قائم») تركّز على الرشاقة والاستجابة السريعة، فإن مشروع «سرير»، باعتباره نضوجاً وتطوراً لعائلة حوامل الأقمار الصناعية ذات الوقود السائل، يتولى مهمة حمل الحمولات الثقيلة ووضعها في ارتفاعات مذهلة؛ وهو هدفٌ كان حلماً لصناعة الفضاء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لعقود.
«سرير» ليس مجرد حامل أقمار صناعية، بل هو البنية التحتية التكنولوجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لتجاوز المدارات المنخفضة (LEO) وخطوة نحو المدار الثابت بالنسبة للأرض (GEO) على ارتفاع ٣٦ ألف كيلومتر.
1. الفلسفة الوجودية؛ لماذا يُعدّ «سرير» مفتاح المهمّات الثقيلة؟
يكمن الفرق الجوهري بين «سرير» والأجيال السابقة (مثل «سيمرغ») في «الفئة الوزنية» و«قدرة الدفع». وتتمثل المحاور الاستراتيجية لصاروخ الإطلاق هذا فيما يلي:
الحقن في المدارات المتوسطة والجغرافية الثابتة: بخلاف المدارات المنخفضة التي تستقر فيها أقمار الاستطلاع والاستشعار، يُعدّ مدار ٣٦ ألف كيلومتر، أو ما يُعرف بـ (GEO)، الوجهة الرئيسية لأقمار الاتصالات الثقيلة التي في حاجة ماسة إليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتلبية احتياجاتها الاتصالية. ويسعى «سرير» من خلال تصميمه ذي المراحل الثلاث (وما بعدها) إلى تحقيق هذا الهدف.
الدفع السائل المتقدم: يستفيد «سرير» من محركات وقود سائل ذات دفع عالٍ للغاية. وخلافاً للوقود الصلب، تتيح محركات الوقود السائل في صاروخ «سرير» للمهندسين التحكم بدقة أعلى بكثير في عمليات الاحتراق والدفع؛ وهو أمر حيوي للاستقرار الدقيق في المدارات بعيدة المدى.
زيادة حمولة الشحن: تم تصميم صاروخ الإطلاق هذا لحمل حمولات ذات أبعاد ووزن أعلى بكثير من القدرة الحالية لحوامل الأقمار الصناعية العملياتية؛ وهي حمولات تشمل أقمار الاتصالات المتطورة ومجموعات الرصد الثقيلة.
2. التطور التقني؛ من «سفير»
إلى «سرير»
لقد اجتازت صناعة الفضاء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية مساراً تطورياً ذكياً:
تثبيت المعرفة: لقد وفّرت المعرفة المكتسبة من بناء «سفير» (كخطوة أولى) و«سيمرغ» (كخطوة ثانية في حوامل الوقود السائل)، أرضيةً جعلت من الممكن حل تعقيدات «سرير» باعتباره الجيل الثالث والثقيل من هذه العائلة.
أنظمة التحكم: إحدى نقاط التحول في مشروع «سرير» هي تطوير أنظمة التوجيه والتحكم في متجه الدفع (TVC) للمحركات السائلة ذات الأبعاد الكبيرة؛ لأن التحكم في صاروخ إطلاق ثقيل أثناء الخروج من الغلاف الجوي يتطلب دقة ملاحة فائقة.
3. الرؤية الاستراتيجية؛ «سرير» والاستشراف الفضائي
إنّ «سرير» ليس مجرد مشروع، بل هو تجسيد للاستقلال الفضائي في الفئة الثقيلة. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال تطوير صاروخ الإطلاق هذا، تقوم في الواقع بإعداد بنيتها التحتية للإطلاق لتقليل الاعتماد على حوامل الإطلاق الأجنبية للمهمات الاستراتيجية.
إن الوصول إلى المدار الجغرافي الثابت (GEO) بالنسبة للبلاد، يعني السيطرة على اتصالات الراديو والتلفزيون والاتصالات المستقرة في جميع أنحاء المنطقة، وهو أمر لن يكون ممكناً إلا باستخدام حوامل إطلاق من فئة «سرير».
