الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وخمسة وستون - ٠١ أكتوبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وخمسة وستون - ٠١ أكتوبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

السيّد نصر الله.. شخصيةٌ قادت مسيرة المقاومة وصاغت وعي الأمّة

الدكتورة ليلى صالح
خبيرة في علم الاجتماع السياسي

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه/ ٣٩]

ثمة قادة لا يغادرون المشهد برحيل أجسادهم، شخصية استثنائية خطّت معالمها بالدم والجهاد، صاحب الفكر التجديدي والوعي الحركي، فكان يعاين الوقائع والعلوم، ويجترح الرؤى المناسبة لإدارة الأزمات الكبرى وصناعة الوعي في الأمّة لرفض الهزيمة. وهو الذي كان يرى بأن المعركة اليوم هي معركة الوعي، وهي ليست الخيار الثاني والثالث، بل هي الخيار الأول، والمعركة الأساس بما هي سلاح وخيار استراتيجي في مواجهة الهيمنة وتزييف الحقائق.
الحديث عن السيّد الأسمى والأقدس لا يُختزل في إطار قائد عسكري أو سياسي فحسب، هو أمّة، صُنع على عين الله بمحبة أُلقيت عليه من الله تعالى، عبر من العباءة الدينية إلى ريادة التحول المقاوم، لينتج فكرًا استشرافيًا تجاوز حدود الزمان والمكان. فكان مدرسةً إنسانيةً وحضاريةً متكاملة، استندت إلى الصدق، فكان الصادق الأمين (عند العدو والصديق)، والإخلاص لقضايا الأمّة (فدى فلسطين بنفسه)، والوفاء المطلق للناس وقضاياهم (أشرف الناس). ونهجه حوّل المقاومة من فعل ردّ فعل موضعي إلى مشروع حضاري شامل يعيد بناء الإنسان العربي والمسلم على أسس العزة، والوعي، والثقة بالقدرة على التغيير ومواجهة أعتى التحديات.
البيئة اللبنانية المقاومة وعشق القضية الفلسطينية
صهرت البيئة اللبنانية المقاومة في وجدان سماحته عشق القضية الفلسطينية، هذه البيئة التعبوية التي صنعها السيد الأسمى، وساهم في تراكمها مداد دماء الشهداء في بيئتهم الضيقة والواسعة. وقد بلور الإسلام المحمدي الأصيل الخميني ملامح شخصيته الكاريزمية والقيادية الفذّة، بثورية الإمام موسى الصدر، إمام المستضعفين والمحرومين، وصرخة مستمرة في وجه الطغاة والظالمين، ليأتي اللطف الإلهي بانعكاس أسرار تلك الكاريزما القيادية الاستثنائية التي فُطر عليها سيدنا الأقدس، ولم يكتسبها بالسياسة، بل وُلدت معه، جمع فيها بين المهابة الروحية والصلابة الميدانية والقدرة الاستثنائية على إدارة الأزمات، التي جعلت منه رقمًا صعبًا في المعادلات الإقليمية والدولية، لنخلص إلى المآل الاستراتيجي الأهم، وهو كيف استطاع تحويل محطات الانتصار إلى رافعة استراتيجية صاغت الوعي السياسي والجماهيري، وكسر من خلالها معادلات الهزيمة النفسية، وأسس لثقافة العزة والسيادة كقائد أممي.
الانتصارات وتراكم القوة والوعي
فبدحر العدو الصهيوني من جنوب لبنان عام 2000 دون قيد أو شرط، وخطابه الشهير عن «بيت العنكبوت»، الذي كسر فيه الفرضية الاستراتيجية التي قام عليها هذا الكيان المؤقت، بأن كيان الاحتلال متفوّق ماديًا وعسكريًا، أتى هذا التحرير كاختبار للقوة الحقيقية الاجتماعية والسياسية لمجتمع المقاومة في الانتصار على هذا العدو، والتي ترسخت في الصمود والانتصار في حرب تموز/ يوليو 2006، بالرغم من اجتماع العالم المستكبر وأدواته العربية على المقاومة، لتدخل الأمّة في مرحلة تراكم الانتصارات. هذا ما كان يؤكده خطاب الشهيد بأننا ننتصر على هذا العدو بالنقاط، فالمعركة هي معركة الصمود والصبر والتحمّل وتحقيق الإنجازات وتراكم الإنجازات وإفشال العدو ومنع العدو من تحقيق أهدافه، وهكذا سننتصر. هذا النهج والمسار السياسي الاجتماعي للمقاومة حوّل المسار المجتمعي من مسار الانكسار والهزيمة إلى مسار الانتصار والمواجهة، وصولًا للصمود الأسطوري في كل جبهات المحور في حرب رمضان.
غياب القائد واستمرار ثقافة المقاومة
العدو الصهيو - أمريكي الذي كان يراهن على غياب القائد بضعف واستسلام المقاومة وفق تجربته التاريخية مع «وفاة عبدالناصر» على توقيع معاهدة الذل والاستسلام «كامب ديفيد» بعد عام من رحيل هذا القائد العربي المقاوم الكبير، ودخول الأمّة العربية والإسلامية مرحلة الانكسار والهزيمة.
أما اليوم، بعد عامين على استشهاد سيدنا الأقدس، هذه الجموع المشاركة في إحياء فعاليات هذه الذكرى في لبنان وكل ساحات محور المقاومة تؤكد على ترسيخ ثقافة المقاومة كخيار وجودي مجتمعي ثابت، بعد أن تحولت من خيار سياسي محلي إلى جزء بنيوي من الهُوية والوعي الجمعي لأحرار العالم، وهذا الأثر الإقليمي والدولي العابر للحدود، قد نجح في تحويل غياب القائد إلى ولادة جديدة لنهج وإرث مستدام، تلهمه التجربة وتتناقله الأجيال القادمة كمنارة إنسانية لأحرار العالم في الحرية ومقاومة ومناهضة العدوان والاستكبار.
حرب تموز والرافعة الاستراتيجية للمقاومة
فبعد أن شكّلت نتائج حرب تموز الرافعة الاستراتيجية للأمّة مع ارتقاء أداء المقاومة إلى مستوى قوة ردعية تجاوزت الدور التقليدي لحركات المقاومة. بالرغم من أن الإدراك الصهيوني كان مبكرًا لخصوصية شخصية السيد الفريدة، التي قال فيها «رئيس الاستخبارات العسكرية الصهيونية» عام 2001 بأن أسلوب سيد شهداء الأمّة السيد حسن نصر الله يجمع بين «التفكير الاستراتيجي والسيطرة الكاملة والعمل التكتيكي واستغلال العامل النفسي»، وظهر في تقديرات القادة والخبراء الصهاينة عند دراسة أسباب هزيمة العدوان في حرب تموز 2006، من أن «نصر الله» لا يدرس جيش العدو فحسب، بل يدرس المجتمع الذي يقف خلفه، والإعلام والسياسة الداخلية، ومكامن القوة والضعف في هذا المجتمع، وهذه المعرفة بالخصم ستتحوّل لاحقًا من أداة لفهم كيان الاحتلال إلى أداة لمحاولة التأثير فيه.
وقد كشفت «يديعوت أحرونوت» عن فريق خاص في شعبة الأبحاث في «أمان»، يضم أكثر من 15 باحثًا من اختصاصات مختلفة، يتركّز عملهم على تحليل شخصيته وسلوكه، وتوقّع ردوده على سيناريوات مختلفة.
المعركة على الوعي
وأصبحت خطابات السيد الأقدس مادة متابعة صهيونية مستمرة، حيث انتقل خطاب سماحته من الأدبيات الأمنية تدريجيًا إلى مفهوم أوسع، هو «المعركة على الوعي». فأدركت «المؤسسة الصهيونية» بأن الخطاب لم يكن موجّهًا إلى جمهور حزب الله، بل إلى الجمهور والجيش وصانع القرار في كيان الاحتلال. 
واتضح له قدرة سماحته على توظيف المعلومة والتهديد والصورة والكلمة والتوقيت ضمن قواعد الصراع، التي عبّر عنها «اللواء عوزي ديان»، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الصهيوني، بفكرة واضحة عام 2018، حين دعا إلى جعل اغتيال نصرالله هدفًا رئيسيًا، بسبب «التأثير الهائل» الذي يتمتع به داخل «إسرائيل».
وتطور المنظور الاستخباراتي السياسي «الإسرائيلي» في النظر إلى الشهيد الأسمى من موقعه داخل حزب الله إلى دوره في المنظومة السياسية الإيرانية نفسها، التي عبر عنها القائد الشهيد بواقعية وشفافية بأننا «أسياد عند الولي الفقيه»، كما كشفت حيثياتها مقابلة عام 2022، لرئيس «أمان» عميت ساعر الذي نفى توصيف العلاقة بين «نصرالله وإيران» بنموذج «الرئيس والتابع»، باعتباره مجرّد «وكيل إيراني»، مشيرًا إلى أن نصرالله «شريك في اتخاذ القرارات»، وأبرز شخصية في «منظومة المحور الشيعي» بعد قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد علي الخامنئي.
علاقة القائد بالشعب والمجتمع
بالتالي، هذا الاعتراف من العدو يفيد إلى نمط سياسي جديد لم يعرفه العالم بين القائد والشعب، يتجاوز السلطة والقوة والمصالح النفعية والانتخابات إلى علاقة محبة إيمانية أخلاقية، يثق القائد بمجتمعه وشعبه، ويعبّر الشعب والمجتمع عن ارتباطه بقائده من نفس القيم الأخلاقية الإنسانية التحررية التي يقود فيها القائد مصالح وحقوق شعبه في مواجهة غطرسة الاستكبار والظالمين. من هنا، لم يكن وصف رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو للقائد الشهيد السيد، بعد اغتياله، بأنه «محور المحور» مجرّد توصيف ظرفي سياسي دراماتيكي لتعظيم أهمية العملية، بل خلاصة سياسية متأخرة لمسار طويل من التقدير الاستخباري والعسكري «الإسرائيلي». فهو، وفق وصفهم، كان يدير منظومة من المعادلات هدفها الحفاظ على التوازن، والموازنة بين التعاظم العسكري وتجنّب الانزلاق غير المحسوب إلى مواجهة شاملة.
السياسة الشريفة ومعركة الحق
لنخلص إلى أن التحليق في وجدانية الموقف، وتفكيك خصائص الخطاب السياسي للسيد الأقدس، نجده يرسم بدقة معالم السياسة الشريفة، التي انطلقت من العقيدة الإلهية بواجب نصرة المظلومين في معركة الحق والباطل، والاستكبار والمستضعفين، ولم تقم على ما هو كائن في نمط السياسة البراغماتية العالمية من «فن الممكن» لحماية المصالح الضيقة حفاظًا على السلطة والقوة، بل قامت على القيم الأخلاقية الإنسانية، وهو الذي وصف المعركة بين محور المقاومة والعدو الأمريكي الصهيوني بأنها «معركة التوحش مقابل معركة الإنسانية»، وأبى إلا أن يساند غزة ويفديها بنفسه، مع كل معرفته بأنه سيقدم كل مجتمع المحور على مذبح الشهادة والتضحية، لأنه يثق بأن الله ينصر من نصره، وأمام نصرة الحق تسقط كل الحسابات البراغماتية السياسية.

البحث
الأرشيف التاريخي