إرث واحد ومسارات متعددة

من طريق الحرير إلى المحور الساساني.. إيران تبني جسوراً سياحية مع العراق وأوزبكستان

/ تتجه إيران إلى توسيع تعاونها السياحي والثقافي مع العراق وأوزبكستان، من خلال تحويل الروابط الحضارية والتاريخية المشتركة إلى مسارات سياحية عملية، تجمع بين التراث والعمارة والفنون والصناعات اليدوية والسياحة الصحية، بما يفتح آفاقاً جديدة لتنشيط حركة السياحة والتبادل الثقافي والاستثماري بين البلدان الثلاثة.
وفي هذا الإطار، بحث وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، خلال لقاءين منفصلين مع سفيري أوزبكستان والعراق لدى إيران، سبل تطوير التعاون السياحي، مؤكداً أهمية الانتقال من العلاقات التاريخية والثقافية إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ، تعزز حركة السياح وتوسّع مجالات التعاون المرتبطة بالسياحة.
طريق الحرير.. إحياء الإرث المشترك في مسارات سياحية 
وطرح سيد رضا صالحي أميري، خلال لقائه سفير أوزبكستان لدى إيران، فريد الدين نصريوف، خارطة طريق من عشرة محاور لفتح آفاق أوسع أمام التعاون السياحي بين البلدين، من خلال دعم القطاع الخاص، وتسهيل إجراءات التأشيرات، وتوسيع شبكة الرحلات الجوية المباشرة، وتعزيز الشراكة بين وكالات السفر والسياحة في البلدين.
وأكد صالحي أميري أهمية إعادة توظيف الإرث التاريخي لطريق الحرير في بناء مسارات سياحية عابرة للحدود، ولا سيما من خلال الربط بين أصفهان وسمرقند وبخارى، بما تحمله هذه المدن من رصيد مشترك في العمارة والفنون والتقاليد والصناعات اليدوية. وأشار إلى أن النسيج التاريخي والمعماري لسمرقند وبخارى يعكس جوانب من الحضارة الإسلامية الشرقية المشتركة، مع وجود أوجه تشابه مع أصفهان، الأمر الذي يمكن أن يشكل أساساً لتطوير منتجات سياحية جديدة تقوم على التاريخ والعمارة والفنون والحرف التقليدية. ودعا صالحي أميري إلى إعداد مذكرة تفاهم شاملة وملزمة، وتشكيل لجنة فنية مشتركة للتعاون في مجالات ترميم الآثار والحفاظ على الهوية الثقافية لطريق الحرير، إلى جانب تعزيز دور المحافظات والمناطق المحلية في تنفيذ البرامج السياحية المشتركة.
أورزبكستان.. توسيع الرحلات وتوظيف الخبرات الحرفية 
من جانبه، أوضح السفير الأوزبكي أن بلاده استقبلت نحو 11 مليون سائح دولي خلال العام الماضي، فيما بلغ عدد السياح الإيرانيين نحو 23 ألفاً، مشيراً إلى أن مدناً إيرانية، من بينها أصفهان وشيراز ومشهد، تحظى باهتمام السياح الأوزبك. وأعرب نصريوف عن رغبة بلاده في زيادة عدد الرحلات الجوية الأسبوعية بين البلدين، بما يعزز حركة السفر المتبادل ويدعم نمو السياحة الثنائية.
كما أبدى الجانب الأوزبكي اهتماماً بالصناعات اليدوية الإيرانية، مرحباً بالاستفادة من خبرات الحرفيين الإيرانيين وتنظيم برامج تدريبية وتبادل للخبرات، بما يضيف بُعداً اقتصادياً وثقافياً إلى التعاون السياحي بين البلدين.
المحور الساساني.. من فيروز آباد إلى بابل 
كما بحث صالحي أميري مع سفير العراق لدى إيران، ياسر عبد الزهراء الحجاج، وضع خارطة طريق شاملة للتعاون الحضاري والسياحي، وتنويع المسارات السياحية، وتفعيل الإمكانات الحدودية، إلى جانب تطوير التعاون في مجال الصناعات التقليدية.
وقال صالحي أميري إن إيران تستقبل سنوياً نحو 3 ملايين و600 ألف سائح عراقي، فيما يزور العراق العدد نفسه تقريباً من السياح الإيرانيين، مؤكداً أن الهدف يتمثل في رفع حجم التبادل السياحي بين البلدين إلى 10 ملايين زائر سنوياً، بمعدل نمو يبلغ نحو 1.5 مليون سائح كل عام، في إطار مقترح لتعزيز السياحة الاقتصادية والاستشفائية.
وأوضح أن الجانب الإيراني حدد عشرة مسارات سياحية كبرى للتعاون مع العراق، يأتي في مقدمتها المحور التاريخي الساساني، الذي ينطلق من فيروز آباد في محافظة فارس، مروراً بكرمانشاه، وصولاً إلى المدائن وطاق كسرى وبابل في العراق.
وأكد أهمية إدراج وجهات أثرية جديدة، مثل بابل، ضمن الحزم السياحية والدينية، إلى جانب تسهيل عبور السيارات الخاصة للعائلات العراقية عبر المنافذ الحدودية في إيلام وكرمانشاه وخوزستان. كما كشف عن خطة لإنشاء مسار سياحي بحري يربط محافظة خوزستان بمدينة البصرة، بما يضيف بعداً جديداً إلى حركة السياحة بين البلدين، فضلاً عن العمل على معالجة تحديات التعاملات المالية التي تواجه السياح، من خلال إطلاق بطاقة مصرفية بالعملة الأجنبية مخصصة للسياح، بما يسهل عمليات الدفع خلال الرحلات.
وفي إطار توسيع مجالات التعاون مع العراق، كشف صالحي أميري عن إعداد منظومة وطنية شاملة للسياحة الصحية بالتعاون مع أربع وزارات، بهدف تنظيم رحلة السائح والمريض الدولي منذ الوصول إلى إيران وحتى المغادرة، وتوفير معلومات متكاملة حول الخدمات الطبية والتكاليف والإقامة والفنادق والخدمات العلاجية. ومن شأن هذه المنظومة أن تفتح مجالاً أوسع للتعاون في السياحة الصحية مع الدول الصديقة، وأن تحدّ من نشاط الوسطاء غير المنظمين، فضلاً عن تعزيز الشفافية ورفع مستوى الثقة لدى المرضى والسياح الدوليين.
المحور التاريخي الساساني.. من فارس إلى بابل 
بدوره أكد السفير العراقي عمق العلاقات التاريخية والثقافية والدينية بين البلدين، معتبراً أن هذه الروابط تمثل قاعدة راسخة لبناء شراكة سياحية واقتصادية أكثر استدامة. ورحب الحجاج بمقترح المحور التاريخي الساساني، وبالاستفادة من الخبرات الأكاديمية الإيرانية في مجالات الآثار والترميم، إلى جانب إقامة معارض مشتركة للصناعات اليدوية والعمل على إزالة العقبات المرتبطة بالتأشيرات والعبور، ووضع أطر قانونية ومذكرات تفاهم تحول الأهداف المشتركة إلى برامج تنفيذية.
من الذاكرة الى المنتج..  سياحة بلا حدود
وتعكس التحركات الإيرانية توجهاً نحو تطوير نموذج جديد للتعاون السياحي الإقليمي، لا يقتصر على تبادل الزوار، بل يقوم على تصميم مسارات مشتركة، وتسهيل التنقل، وتوسيع الرحلات الجوية والبرية والبحرية، وربط السياحة الثقافية بالتراث والصناعات اليدوية والسياحة الصحية.
وبين أصفهان وسمرقند وبخارى على امتداد طريق الحرير، وفيروز آباد وكرمانشاه والمدائن وبابل على امتداد المحور الساساني، تسعى إيران إلى تحويل الذاكرة الحضارية المشتركة إلى منتجات سياحية معاصرة، تمنح الزائر تجربة تتجاوز الحدود الجغرافية، وتجمع بين التاريخ والثقافة والفنون والاكتشاف.
وهكذا، لا تبدو هذه المسارات مجرد خطوط على خريطة السياحة الإقليمية، بل محاولة لإعادة وصل مدن وثقافات كانت، عبر قرون طويلة، جزءاً من فضاء حضاري وتجاري واحد، وتحويل هذا الإرث المشترك إلى جسور جديدة للتعاون والتنمية السياحية.
البحث
الأرشيف التاريخي