الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وواحد وخمسون - ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وواحد وخمسون - ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

عدوان أميركا العسكري على إيران؛ وتغيّر معادلات حضور واشنطن في المنطقة

/ مع اقتراب موعد انسحاب قوات الإحتلال الأميركي من العراق، تثار أسئلةٌ كثيرة حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في دول الخليج الفارسي، ولا سيما بعد العدوان العسكري الذي شنّته واشنطن على إيران والردّ الساحق الذي وجّهته القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية إليه.
قد خلّفت الحرب والتوتر المتصاعد بين إيران وأميركا، إلى جانب آثارهما العسكرية والاقتصادية المباشرة، نتيجة بالغة الأهمية بالنسبة إلى واشنطن؛ وهي ارتفاع كلفة الحفاظ على القواعد والقوات الأميركية في المنطقة، وضرورة إعادة النظر في نمط وجودها. فالقاعدة التي كانت واشنطن تُقدّمها لسنواتٍ على أنها جزء من شبكة الردع وتوفير الأمن الإقليمي، تحوّلت خلال المواجهات الأخيرة إلى أهداف مباشرة للهجمات.
ووفقاً لتقرير بثّته قناة الجزيرة، أكّدت حكومة بغداد أن مهمّة التحالف الدولي بقيادة أميركا ستنتهي بشكلٍ كامل مع نهاية سبتمبر، وأنّ انسحاب القوات سيُنجز نهائياً بحلول 30 سبتمبر. وقد وصف المسؤولون العراقيون هذا الموعد بأنّه «قطعي ونهائي»، فيما يجري حالياً سحب القوات والمعدّات الأميركية من إقليم كردستان، بل إن ألمانيا نفسها سحبت قواتها من أربيل في إطار هذا المسار نفسه.
ويأتي هذا التطوّر في وقتٍ تعرّضت فيه القواعد الأميركية في العراق خلال الأشهر الماضية لضرباتٍ متكررة، وأصبح موقع القوات الأميركية هناك، خلال العدوان على إيران، إحدى أكثر نقاط شبكة واشنطن العسكرية عرضة للخطر. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار الانسحاب من العراق ليس مجرّد تنفيذ لاتفاق سابق بين بغداد وواشنطن فحسب، بل مؤشراً على ارتفاع الكلفة العسكرية لوجود أميركا في بلد يطالب باستعادة السيطرة الأمنية الكاملة لحكومته، وأصبح خروج القوات الأجنبية مطلباً شعبياً.
غير أنّ التطور العراقي لا يعني بالضرورة بداية انسحاب شامل من المنطقة. ففي أغسطس، نُشرت تقاريرُ، منها في صحيفة «واشنطن بوست»، تفيد بأنّ البنتاغون يدرس خفض ونقل جزءٍ من القوات الأميركية في الخليج الفارسي. والسبب الرئيسي لهذا الاستعراض هو هشاشة القواعد الأميركية الكبرى أمام الصواريخ والمسيّرات، والكلفة الباهظة لحمايتها.
وتضمّنت هذه الدراسة حتى إمكانية نقل جزءٍ من القوات من القواعد القريبة من إيران في دول الخليج الفارسي، وإن لم يُعلن بعدُ قرار نهائي بشأن تغييرٍ دائم في انتشار القوات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصّة لأن الدول المضيفة للقواعد الأميركية، ومنها قطر والبحرين والكويت والأردن، أدركت عملياً خلال الحرب أن استضافة المنشآت العسكرية الأميركية قد تجعلها طرفاً في ميدان المواجهة بين واشنطن وطهران. ففي الأشهر الماضية، تعرّضت القواعد الأميركية في البحرين والكويت والأردن لهجمات، واضطرّت الدول المضيفة في بعض الحالات إلى تفعيل منظوماتها الدفاعية.
وفي الواقع، يكمن أحد التناقضات الجوهرية في الوجود العسكري الأميركي في المنطقة في هذه النقطة تحديداً؛ فواشنطن تقدّم حضورها على أنه عامل ردعٍ وأمن؛ لكن هذا الحضور نفسه، عند اشتداد المواجهة، قد يعرّض الدولة المضيفة لهجمات الطرف المقابل. والأردن مثالٌ واضح؛ فقد تعرّضت القواعد والقوات والمنشآت الأميركية فيه خلال الأشهر الأخيرة لهجمات صاروخية ومسيّرة متكررة.
من هذا المنظور، تطرح تجربة العقدين الماضيين أسئلة جدّية حول فاعلية النموذج الأمني الأميركي في المنطقة. وأفغانستان هي المثال الأبرز؛ فقد بقيت أميركا وحلفاؤها نحو عشرين عاماً في ذلك البلد، وأنفقت مليارات الدولارات على تدريب وتسليح القوات الأفغانية، وأقامت هيكلاً سياسياً وأمنياً جديداً؛ لكن الحكومة والجيش الأفغانيين انهارا في مدّة قصيرة، واستعادت طالبان سيطرتها على كابل.
وتشير الوثائق الموثوقة إلى دور التدخلات الخارجية وحرب العراق وعدم استقرار سوريا والشبكات المالية والتسليحية وأخطاء السياسات الغربية في تهيئة البيئة التي نمى فيها تنظيم داعش الارهابي، أكثر مما تشير إلى عوامل أخرى. ومع ذلك، فإن واقع أن السياسات التدخلية الأميركية ساهمت في خلق أو تفاقم الظروف التي نمت فيها جماعات مثل داعش، يُعدّ أحد أهمّ الانتقادات الموجّهة إلى أداء واشنطن. وفي المقابل، كانت إيران من أوائل الدول التي استجابت لطلب بغداد وتعاونت عسكرياً وأمنياً مع العراق أثناء هجمات داعش الإرهابية عام 2014، وقد أشاد المسؤولون العراقيون مراراً في السنوات اللاحقة بدعم إيران في تلك الفترة.
في المجال الدبلوماسي أيضاً، أظهرت الحرب الأخيرة مدى هشاشة الوجود الدبلوماسي الأميركي في نظر واشنطن نفسها. ووفقاً لما نقلته رويترز، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية في فبراير ومارس 2026، أوامر بإجلاء الموظفين غير الضروريين وعائلات الدبلوماسيين من العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات والأردن ولبنان، كما جرى تقييد أو تعليق نشاط بعض البعثات. غير أن هذا الجانب يحتاج إلى تمييزٍ مهم؛ فقد جرى في الأشهر اللاحقة عكس هذا الانسحاب الدبلوماسي جزئياً.
ما يُلاحظ اليوم في المنطقة هو بداية مسار انسحاب القوات الأميركية؛ فالعراق هو أوضح حالات الانسحاب العسكري، وفي الخليج الفارسي أصبح النقاش حول خفض القوات وإعادة توزيعها وتفريقها أكثر جدّية. وقد بيّنت الحرب الأخيرة للدول المضيفة أن استضافة القواعد الأميركية لا تعني بالضرورة الحصانة، بل قد تحوّلها في ظروف الحرب إلى ميدان للمواجهة.
من هذا المنظور، تحمل تجاربُ أفغانستان والعراق وسوريا رسالة مشتركة؛ فالحضورُ الطويل الأمد للقوات الأجنبية لا يُنتج أمناً مستداماً، بل إن التدخل الخارجي يُعمّق فراغ السلطة والمنافسة الطائفية والجيوسياسية ويُسهّل نشوء جماعات مسلّحة جديدة، فيتحوّل هو نفسه إلى عامل من عوامل عدم الاستقرار.
وما يجري اليوم في العراق وفي النقاش حول مستقبل القواعد الأميركية في الخليج الفارسي، قد يكون مؤشراً على تغيّرٍ تدريجي في هذه المعادلة؛ معادلة باتت فيها دول المنطقة أكثر اقتناعاً بأنّ الأمن المستدام يجب أن يقوم في النهاية على القدرات الداخلية والترتيبات الأمنية الإقليمية، لا على الوجود الدائم للقوات الأجنبية.
البحث
الأرشيف التاريخي