من علاج السرطان إلى تعزيز الأمن الغذائي

البلازما؛ المعجزة العلمية للقرن الحادي والعشرين بين أيدي الخبراء الإيرانيين

/ أدى التقارب بين فيزياء الكمّ، وعلم الأحياء الخلوي، والهندسة الطبية إلى تحويل تكنولوجيا البلازما الباردة (Cold Plasma) إلى أحد أهم محفزات الثورة العلمية في القرن الحادي والعشرين؛ وهي تكنولوجيا أعادت رسم حدود المعرفة في مجالي الطب والصناعة، ونجح الخبراء الإيرانيون في توطينها، ما وضع إيران في مصاف الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال.
البلازما في الطب: من ترميم الأنسجة إلى علم الأورام
تتجاوز البلازما الباردة، بحكم طبيعتها متعددة الأبعاد، كونها أداة بسيطة، إذ تؤدي دور تكنولوجيا تمكينية في المنظومة الصحية، وتتمتع بآلية تأثير مزدوجة وذكية.
وفي مجال العلاج وترميم الأنسجة، تُحدث البلازما إجهادًا أكسديًا مضبوطًا يؤدي إلى تفكيك الجدار الخلوي للكائنات الدقيقة، بما في ذلك البكتيريا والفطريات والفيروسات، كما تقضي على الأغشية الحيوية المقاومة للمضادات الحيوية. وفي الوقت نفسه، تحفّز هذه الأنواع النشطة، عند استخدامها بجرعات منخفضة، الخلايا البشرية، وتزيد من تكاثر الخلايا الليفية، وتعزز ظاهرة تكوّن الأوعية الدموية (Angiogenesis)، بما يحسن تدفق الدم الموضعي؛ وهي آلية أحدثت تحولًا في علاج الجروح المزمنة، وقرح السكري، والحروق.
أما في مجال علم الأورام، فتفتح البلازما الباردة أفقًا جديدًا في علاج السرطان. فالخلايا السرطانية، بسبب ارتفاع معدل الأيض لديها، تتمتع بمستوى أعلى من الإجهاد الأكسدي مقارنة بالخلايا السليمة. وعند تعريض الأنسجة السرطانية للبلازما الباردة، تتعرض الخلايا لكمية إضافية من الجذور الحرة، ما يؤدي إلى انهيار منظومتها الدفاعية وتفعيل الموت الخلوي المبرمج (Apoptosis) بصورة انتقائية. وقد أتاح هذا النهج تطوير علاجات مكمّلة وأقل آثارًا جانبية في مجال علم الأورام.
المكانة والمرتبة الاستراتيجية لإيران في المنظومة العالمية للبلازما
شهدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلال السنوات الأخيرة، تحولًا نوعيًا من الأبحاث الأكاديمية البحتة نحو تسويق تكنولوجيا البلازما وتصنيعها. ووفّرت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، من خلال إعداد الوثيقة الاستراتيجية الشاملة لأفق عام ٢٠٤١م وحصولها على مرتبة «ممتاز» في مؤشر الإنتاجية المؤسسية، الأرضية اللازمة لتحقيق هذه الإنجازات. وتُعدّ إيران اليوم، إلى جانب القوى العلمية الكبرى في العالم، مثل ألمانيا والولايات المتحدة واليابان، دولة مطوّرة ومالكة لتكنولوجيا البلازما. ويمكن استعراض الإنجازات الرئيسية للبلاد في هذا المجال ضمن ثلاثة محاور:
١. ريادة في المنظومة الصحية وطب البلازما
نجحت إيران، بالاعتماد على المعرفة المحلية والحصول على التراخيص الصارمة من منظمة الغذاء والدواء، في تدشين شبكة وطنية من عيادات العلاج بالبلازما. وقد دخلت حتى الآن ١٧ عيادة تخصصية الخدمة في مختلف المحافظات، من بينها مراكز رئيسية في مستشفيات الزهراء(س) في مدينة أصفهان، والإمام علي(ع) في مدينة كرج، والشهيد محمدي في بندرعباس، وقدمت خدماتها إلى أكثر من ١٠ آلاف مريض؛ وهو ما يعكس بلوغ هذه التكنولوجيا مرحلة متقدمة ضمن البنية التحتية العلاجية في البلاد.
وفي مجال علم الأورام، تمكن المتخصصون الإيرانيون من تصميم وتصنيع منظومة متقدمة للعلاج بالبلازما مخصصة لعلاج الأورام. وتخضع هذه المنظومة حاليًا للمرحلة الثانية من التجارب السريرية في مركز أبحاث السرطان بمستشفى «شهداء تجريش»، في خطوة تضع إيران في طليعة تكنولوجيا علاج السرطان على المستوى العالمي.
٢. تعزيز الأمن الغذائي والزراعة
أثبتت إيران قدراتها الصناعية من خلال معالجة التحدي الاستراتيجي المتمثل في الأفلاتوكسين في المنتجات المخصصة للتصدير، ولا سيما الفستق والمكسرات والفواكه المجففة. وقد أتاح تشغيل أول مصنع لمعالجة المنتجات المجففة بالاعتماد على تكنولوجيا البلازما في رفسنجان، بطاقة إنتاجية تبلغ ٦ آلاف طن سنويًا، إزالة السموم على المستوى الجزيئي من دون الإضرار بجودة المنتجات.
ولا يقتصر هذا الإنجاز على الحفاظ على سلامة المنتجات، بل يشكل أيضًا درعًا دفاعيًا مهمًا للاقتصاد غير النفطي ولمعيشة المزارعين.
٣. إدارة الأزمات البيئية
استُخدمت تكنولوجيا البلازما أيضًا في معالجة مياه الصرف السامة والعصارة الناتجة عن مطامر النفايات. ويعكس الكشف عن منظومة لمعالجة العصارة في منطقة سراوان، إلى جانب إبرام عقد لمعالجة ١٠٠ متر مكعب يوميًا من العصارة في شيراز، القدرات الفنية للمتخصصين الإيرانيين على تحويل مياه الصرف شديدة الخطورة إلى مياه مطابقة للمعايير وقابلة للاستخدام في قطاعي الصناعة والزراعة.
آفاق المستقبل
تمضي إيران حاليًا في مسار توسيع البنية التحتية لطب البلازما وتعزيز مكانتها في الأسواق العلمية والصناعية العالمية. ويعكس استهداف توسيع شبكة مراكز العلاج بالبلازما إلى ٥٠ عيادة، وتدريب كوادر بشرية متخصصة، والاستعداد لتصدير معدات طب البلازما، عزم البلاد على الحفاظ على استقلالها العلمي وتقديم نموذج فاعل لتكنولوجيا تعزز القدرات الوطنية في الدول النامية
البحث
الأرشيف التاريخي