من جبهات الدفاع المقدّس إلى خندق أمن البلاد
إسماعيل كوثري
عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي
كان الشهيد إسماعيل خطيب من الشخصيات التي امتلكت، قبل أن يُعرف في المواقع الأمنية والاستخباراتية العليا في البلاد، سجلًا قيّمًا في ميدان الدفاع عن الوطن. فقد شارك خلال فترة الدفاع المقدس في جبهات القتال، ونال خلال تلك الفترة أيضًا شرف الإصابة والتضحية. وكان هذا السجل يدل على أن روح الإيثار والجهاد لم تكن مقتصرة على مسؤولياته الإدارية، بل كانت متجذرة في سنوات حضوره في ميادين الدفاع عن الثورة والبلاد.
كما بدأت أنشطة الشهيد خطيب الاستخباراتية منذ السنوات الأولى للثورة، في مجال الاستخبارات القتالية. وبمرور الوقت، واستنادًا إلى خبرته وتخصصه ومعرفته العميقة بالقضايا الأمنية، تولى مسؤوليات متعددة في مختلف القطاعات الاستخباراتية والأمنية في البلاد، بما في ذلك السلطة القضائية، وكان يُعرف طوال هذه السنوات بصفته مديرًا دقيقًا، قليل الجدل، ملتزمًا ومتخصصًا.
وفي حكومة الشهيد رئيسي، جرى تقديمه إلى مجلس الشورى الإسلامي لتولي وزارة الاستخبارات. وبعد استكمال الإجراءات القانونية ودراسة أهليته، تولى مسؤولية وزارة الاستخبارات بعد تأييد قائد الثورة الشهيد(رض) وحصوله على ثقة نواب مجلس الشورى الإسلامي.
وقد أظهر حضوره في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي، التي كانت اللجنة المتخصصة المكلفة بدراسة أهلية وزير الاستخبارات، بصورة واضحة أنه كان يمتلك إحاطة كاملة بالقضايا الاستخباراتية والأمنية والاستراتيجية للبلاد.
من أبرز سمات الشهيد خطيب طريقة تعامله مع مجلس الشورى الإسلامي. فقد كان يحضر دائمًا جلسات اللجان والجلسات العامة بهدوء ورصانة وسعة صدر، ويجيب عن أسئلة النواب بإلمام كامل. وحتى في الحالات التي كان بعض النواب يطرحون فيها القضايا بحساسية أو تشدد أكبر ويحاولون ممارسة الضغط على الوزير، لم يكن يخرج مطلقًا عن دائرة الأدب والاحترام والهدوء. وكانت إجاباته دقيقة ومتخصصة ومدروسة وقائمة على الحقائق، وهو ما أدى إلى تشكل قدر كبير من الثقة بينه وبين النواب.
ولم تكن علاقة الشهيد خطيب بمجلس الشورى مجرد علاقة إدارية. فقد كان يسعى دائمًا إلى الاستماع إلى هواجس النواب وتقديم الإجابات اللازمة في إطار مصالح الأمن القومي. وإلى جانب ذلك، كان تعامله مع المراجعين مثالًا يُحتذى به. فعلى الرغم من الحساسية البالغة لمسؤولية وزير الاستخبارات وضرورة الالتزام الدقيق بالاعتبارات الأمنية، كان يتعامل دائمًا مع الناس والمراجعين بتواضع واحترام وأخلاق إسلامية، ويتابع قضاياهم إلى أقصى حد ممكن. وكانت روح الإيثار والإخلاص والتواضع وتحمل المسؤولية من أبرز السمات الشخصية لهذا الشهيد الرفيع المقام. فلم يكن يسعى يومًا إلى الظهور، وكان يفضل أن يكون أداؤه في صمت وبعيدًا عن الضجيج الإعلامي، ضامنًا لأمن الناس وطمأنينتهم. وكان كثير من النجاحات التي حققتها المنظومة الاستخباراتية في البلاد خلال السنوات الأخيرة ثمرة لإدارته الهادئة والدقيقة القائمة على الخبرة.
وفي مجال المهام الأمنية أيضًا، كان الشهيد خطيب يتابع، باقتدار ودراية وذكاء، مواجهة الجماعات الإرهابية والتيارات التخريبية وشبكات التجسس والعناصر التي تهدد أمن البلاد. وكان حازمًا وثابتًا في مواجهة أي إجراء يستهدف الأمن القومي، وفي الوقت نفسه كان يسعى إلى أن تُتخذ القرارات والإجراءات الأمنية على أساس القانون والعقلانية ومصالح البلاد.
من هنا يمكن القول إنه كان أحد أنجح وزراء الاستخبارات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وهو المدير الذي تابع، في الحكومة الثالثة عشرة وكذلك خلال مواصلته مسؤولياته في الحكومة الرابعة عشرة، المسؤولية الخطيرة لوزارة الاستخبارات بالروح الجهادية نفسها والالتزام والتخصص نفسيهما، ولم يتراجع يومًا عن أداء واجباته تجاه النظام والشعب.
ولا شك في أن أعداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانوا على دراية بالدور الفاعل الذي تؤديه مثل هذه الشخصيات في توفير أمن البلاد، ولذلك لم يحتملوا وجوده. وإن استشهاد هذا المجاهد الذي لا يعرف التعب، وإن كان يمثل خسارة كبيرة للمنظومة الأمنية في البلاد، فإن دماء الشهداء، كما أثبتت تجربة الثورة الإسلامية، لا تذهب سدى أبدًا، وسيستمر طريقهم بمزيد من القوة والرسوخ.
واليوم سيبقى اسم الشهيد حجة الإسلام والمسلمين سيد إسماعيل خطيب، إلى جانب سائر شهداء الأمن، خالدًا في ذاكرة الشعب الإيراني باعتباره مديرًا مؤمنًا وثوريًا وشعبيًا وصبورًا ومتخصصًا لا يعرف التعب. فقد كرّس حياته، من جبهات الدفاع المقدس إلى الخنادق الأمنية المعقدة، لحماية الثورة الإسلامية وأمن الشعب، ونال في نهاية المطاف مكافأة سنوات جهاده الصامت بالشهادة؛ وهي شهادة ستكون، بلا شك، بداية لخلود اسمه وطريقه في تاريخ المخلصين الصادقين الذين خدموا هذه الأرض.
