تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
رواية عن حياة ومسيرة وزير الاستخبارات الشهيد السيد إسماعيل خطيب
ثقة الرئيس
فهو شخصية دخلت مجال النشاط الاستخباراتي والأمني منذ السنوات الأولى التي أعقبت الثورة، وتولّى مسؤوليات في مختلف أقسام هذا المجال، إلى أن وصل في نهاية المطاف إلى وزارة الاستخبارات. وانتهت حياته السياسية والإدارية، بعد سنوات طويلة من الحضور في المؤسسات الأمنية والقضائية، في 18 مارس/ آذار 2026 إثر هجوم الكيان الصهيوني على طهران؛ وهو الهجوم الذي استشهد فيه إلى جانب زوجته وابنته.
وُلد خطيب عام 1961 في قضاء قائنات بمحافظة خراسان. ومع انتصار الثورة الإسلامية وتشكّل المؤسسات الجديدة، بدأ، شأنه شأن كثير من العناصر الشابة في تلك المرحلة، مسار نشاطه داخل الهياكل الثورية. وفي عام 1980 التحق بحرس الثورة الإسلامية، وبدأ نشاطه في وحدة الاستخبارات والعمليات، وهي الوحدة التي كانت تُعدّ من أكثر الأقسام العملياتية حساسية خلال السنوات الأولى من الحرب المفروضة.
وبعد فترة، نُقل إلى منظومة استخبارات الجنوب، وشارك في المهام المرتبطة بذلك القسم. ولم يكن العمل في المناطق العملياتية من دون ثمن بالنسبة إليه، إذ أُصيب خلال إحدى هذه المهام وأصبح من ذوي الإعاقة بسبب إصابة حرب. وقد شكّل هذا الأمر جزءًا من سجله خلال فترة وجوده في جبهات الحرب.
ومن بين الروايات التي أُثيرت بشأن سجل نشاط خطيب، ربما تعود أكثرها تفصيلًا وشهرة إلى تصريحات مجتبى ذوالنور، ممثل أهالي قم في مجلس الشورى الإسلامي، خلال بحث أهلية خطيب لتولي وزارة الاستخبارات عام 2021. فقد استعرض ذوالنور، خلال جلسة منح الثقة، جانبًا من سوابق خطيب، وقال: إنه في مرحلة كانت فيها الجماعات الشيوعية ومنظمة المنافقين تمارس أنشطة واسعة مناهضة للثورة في مسجد سليمان، استقرّ السيد إسماعيل خطيب، إلى جانب عدد من رجال الدين الثوريين، في تلك المنطقة، وتمكنوا، بحسب قوله، من تغيير الظروف القائمة.
ومع تأسيس وزارة الاستخبارات، انتقل العديد من العناصر الأمنية في حرس الثورة إلى هذه الوزارة. وانتقل خطيب أيضًا، بعد نحو عامين من تأسيس الوزارة، من الحرس إلى وزارة الاستخبارات عام 1985، وواصل نشاطه في هذه الوزارة.
استمر مسار تقدمه في الوزارة إلى أن عُيّن عام 1991 مديرًا عامًا للاستخبارات في محافظة قم؛ وهي المسؤولية التي استمر فيها لسنوات، بالتزامن مع أحداث أمنية وسياسية مهمة شهدتها المحافظة.
وخلال فترة إدارته لمديرية الاستخبارات العامة في قم، طُرحت عدة ملفات أمنية مهمة في المحافظة. ويشير كثيرون، دفاعًا عن أداء خطيب، إلى قضية الدراويش الغوناباديين، وملف مسجد المحمدية، وغيرهما من الأحداث الأمنية في قم. وقد دافع ذوالنور، خلال جلسة منح الثقة نفسها، بشدة عن أداء خطيب، وقال إنه طوال السنوات التي عمل فيها معه، لم يرَ منه أي إجراء يمكن، على حد تعبيره، أن يُعدّ ابتعادًا عن الروح الثورية.
استمر نشاط خطيب في وزارة الاستخبارات حتى عام 2010. وبحسب تصريحات ذوالنور، أُعفي خطيب في ذلك العام من مسؤولياته بأمر مباشر من محمود أحمدي نجاد. وقال ذوالنور في مجلس الشورى الإسلامي إنه بعد هذا الإعفاء، عُيّن خطيب مسؤولًا عن الحماية والأمن في مكتب قائد الثورة الشهيد(رض) في قم، وواصل نشاطه في تلك المؤسسة.
وظل حتى عام 2012 في مكتب قائد الثورة الشهيد(رض) في قم. وفي العام نفسه، تغير مسار عمله مرة أخرى، وهذه المرة انتقل إلى السلطة القضائية.
وفي أبريل/ نيسان - مايو/ أيار 2012، أصدر صادق آملي لاريجاني، الذي كان يتولى آنذاك رئاسة السلطة القضائية، قرارًا بتعيين السيد إسماعيل خطيب رئيسًا لمركز الحماية والاستخبارات في السلطة القضائية؛ وهو منصب كان يُعدّ من أهم المسؤوليات الأمنية في هذه السلطة.
ورافقت مراسم تقديمه كلمات إبراهيم رئيسي، النائب الأول لرئيس السلطة القضائية آنذاك. وقال رئيسي خلال المراسم: إن خطيب كان أفضل خيار لتولي هذه المسؤولية؛ لكن وجوده في مكتب قائد الثورة الشهيد(رض) جعل انتقاله إلى السلطة القضائية يواجه بعض الصعوبات، بل إن رئيس السلطة القضائية في ذلك الوقت تدخل شخصيًا لإتمام عملية نقله.
وتابع رئيسي حديثه بالردّ على الانتقادات التي كانت تُثار بشأن معرفة خطيب بالهيكل القضائي، وقال: إنه رغم أن البعض يعتقد أن خطيب لا يمتلك سجلًا في السلطة القضائية، فإنه، بسبب المهام الخاصة التي تولّاها على مدى أكثر من عقد، اكتسب معرفة كاملة بمختلف أقسام هذه السلطة، كما اكتسب الخبرة والمهارة اللازمتين في مجال الحماية والاستخبارات.
تولى خطيب رئاسة مركز الحماية والاستخبارات في السلطة القضائية لنحو سبع سنوات. وبعد ذلك، وفي عام 2019، وبالتزامن مع تعيين حجة الإسلام أحمد مروي متوليًا للعتبة الرضوية المقدسة، أُسندت إليه مسؤولية جديدة. فقد عيّن مروي خطيب رئيسًا لجهاز الحماية في العتبة الرضوية المقدسة، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى أغسطس/ آب - سبتمبر/ أيلول 2021.
ومع بدء عمل الحكومة الثالثة عشرة، أُدرج اسم السيد إسماعيل خطيب ضمن قائمة الوزراء الذين اقترحهم إبراهيم رئيسي لتولي وزارة الاستخبارات. وكان كثير من النواب الجدد في الدورة الحادية عشرة لمجلس الشورى لا يعرفون الكثير عن سجله، غير أن مجموعة من النواب ذوي الخبرة كانوا على اطلاع وثيق بمسيرته، وتحدثوا دفاعًا عنه.
وفي الأجواء السياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يجري عادة تقديم وزير الاستخبارات بالتنسيق مع قائد الثورة، ولذلك فإن المرشح الذي يُقدّم عادة لا يواجه معارضة واسعة في مجلس الشورى الإسلامي. وتكرر الأمر نفسه في حالة خطيب. ففي أغسطس/ آب - سبتمبر/ أيلول 2021، حصل على ثقة نواب مجلس الشورى الإسلامي بأغلبية 222 صوتًا مؤيدًا، و48 صوتًا معارضًا، و17 صوتًا ممتنعًا، وتولى قيادة وزارة الاستخبارات في الحكومة الثالثة عشرة.
وبعد حادث سقوط المروحية التي كانت تقل الشهيد السيد إبراهيم رئيسي وإجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة، طُرحت تكهنات عديدة بشأن تشكيلة حكومة الدورة الرابعة عشرة. وكان أحد الأسئلة الرئيسية يتعلق بمصير وزارة الاستخبارات، إذ كان كثيرون يتوقعون تغيير وزير هذه الوزارة. إلا أن مسعود بزشکیان فضّل أيضًا أن يقدّم السيد إسماعيل خطيب إلى مجلس الشورى الإسلامي لمواصلة تولي المسؤولية.
وجاء حضور خطيب الثاني في مجلس الشورى الإسلامي للحصول على الثقة بدعم أكبر مقارنة بمرته الأولى. فقد تمكّن من الحصول على 262 صوتًا مؤيدًا من النواب، وهو رقم يزيد بـ40 صوتًا على أصوات الثقة التي حصل عليها في المرة الأولى في مجلس الشورى الإسلامي خلال دورته الحادية عشرة، الأمر الذي مهّد لاستمرار وجوده على رأس وزارة الاستخبارات في الحكومة الرابعة عشرة.
رافقت فترة تولي السيد إسماعيل خطيب وزارة الاستخبارات مجموعة من الملفات والتحديات الأمنية. وخلال هذه السنوات، واجهت وزارة الاستخبارات أحداثًا مهمة، من بينها التطورات الأمنية في أغسطس/ آب - سبتمبر/ أيلول 2022، وكذلك أحداث ديسمبر/ كانون الأول 2025 - يناير/ كانون الثاني 2026؛ إضافة إلى ذلك، اندلعت خلال فترة مسؤوليته حربان، حرب الـ12 يومًا المفروضة وحرب الـ40 يومًا. ولم تكن الحرب الثانية قد انتهت بعد عندما شنّ الكيان الصهيوني هجومه على طهران في 18 مارس/ آذار 2026، لينهي بذلك حياته ومسؤوليته باستشهاده.
في ذلك الهجوم، استشهد السيد إسماعيل خطيب إلى جانب زوجته وابنته، وأُغلقت صفحة أحد أقدم المسؤولين الأمنيين في البلاد، بعد أكثر من أربعة عقود من الحضور في المؤسسات الاستخباراتية والأمنية والقضائية والتنفيذية. وهو المسؤول الذي بدأ نشاطه في المجال الأمني منذ السنوات الأولى التي أعقبت الثورة، وتولى مسؤوليات متعددة، واستشهد في نهاية المطاف بينما كان لا يزال جالسًا على كرسي وزارة الاستخبارات في حكومة الدورة الرابعة عشرة.
