مشروع استراتيجي يعيد رسم خريطة النقل بين طهران وبغداد؛

سكة حديد خسروي-خانقين-بغداد.. ممر جديد للتجارة والترانزيت

/ أعاد توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بإنشاء خط سكك الحديد «خسروي - خانقين - بغداد» بحضور رئيسي الجمهورية في إيران والعراق، مشروعاً ظل لسنوات طويلة رهينة التعقيدات السياسية والتنفيذية إلى صدارة أجندة التعاون بين طهران وبغداد. ويُتوقع أن يمهد هذا الاتفاق الطريق لربط شبكتي سكك الحديد في البلدين عبر منفذ خسروي الحدودي، بما يعزز مكانة غرب إيران في المعادلات الاقتصادية والترانزيتية وحركة الزوار على المستوى الإقليمي.
خبراء في قطاع النقل يرون أن توقيع مذكرة التفاهم، الذي جاء خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى طهران، لا يقتصر على كونه اتفاقاً لإنشاء خط سكك حديدية جديد، بل يمثل خطوة استراتيجية نحو استكمال أحد أهم ممرات الربط في غرب آسيا، وهو الممر الذي سيتيح، من خلال وصل شبكة سكك الحديد الإيرانية بنظيرتها العراقية، آفاقاً جديدة أمام التبادل التجاري، والنقل الدولي، وحركة المسافرين بين البلدين.
ويأتي هذا الاتفاق في وقت تتواصل فيه بوتيرة متسارعة الأعمال التنفيذية لمشروع خط سكك الحديد كرمانشاه - خسروي داخل إيران، بالتزامن مع دخول المشاورات الخاصة بإطلاق تنفيذ المسار داخل محافظة ديالى العراقية مرحلة جديدة، وهو ما يعزز الآمال بإخراج أحد أقدم المشاريع المشتركة بين البلدين إلى حيز التنفيذ.
مشروع تتجاوز جذوره مجرد مذكرة تفاهم
ورغم أن توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة يُمثل محطة جديدة في مسار التعاون بين إيران والعراق، فإن فكرة الربط السككي بين البلدين عبر منفذ خسروي تعود إلى أكثر من خمسة عقود. وطُرح هذا المشروع للمرة الأولى في سبعينيات القرن الماضي، بهدف ربط شبكة سكك الحديد الإيرانية بمدينة خانقين ومنها إلى بغداد، إلا أن انتصار الثورة الإسلامية، والحرب المفروضة، وما خلّفته من دمار في البنية التحتية، فضلاً عن سنوات طويلة من عدم الاستقرار الأمني في العراق، أدت إلى تأجيل تنفيذ المشروع لفترة طويلة. ومع تحسن العلاقات بين البلدين، عاد المشروع إلى جدول أعمال الاجتماعات المشتركة، وشهد خلال السنوات الماضية جولات متكررة من المباحثات، غير أن غياب الظروف المناسبة لتنفيذ المشروع بالتزامن على جانبي الحدود حال دون دخوله حيز التنفيذ.
وخلال السنوات الأخيرة، ومع التقدم المحرز في تنفيذ مشروع خط السكك الحديدية كرمانشاه - خسروي، إلى جانب المتابعات المتواصلة على المستويين الوطني والمحلي، عاد المشروع ليتصدر ملفات التعاون بين إيران والعراق، وهو مسار دخل اليوم مرحلة جديدة مع توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة.
لماذا يكتسب منفذ خسروي هذه الأهمية؟
إن اختيار منفذ خسروي الحدودي الدولي لربط شبكتي سكك الحديد في إيران والعراق لا يقتصر على اعتبارات جغرافية فحسب، إذ يُعد هذا المنفذ، بفضل قربه من بغداد، وتاريخه الطويل في التبادل التجاري، وارتباطه بشبكة الطرق السريعة، فضلاً عن دوره المحوري في حركة زوار العتبات المقدسة، أحد أهم المنافذ الحدودية الرسمية بين البلدين. وخلال السنوات الأخيرة، أسهم تطوير البنية التحتية للمنفذ، وزيادة الطاقة الاستيعابية للمحطة الحدودية، وتأهيل طرق الوصول إليها، والارتقاء بالخدمات اللوجستية والخدمية، في تعزيز مكانة خسروي بين المنافذ الحدودية الواقعة في غرب إيران.
ويرى الخبراء أن وصول شبكة السكك الحديدية إلى هذا المنفذ سيستكمل المقومات اللوجستية المتوافرة فيه، ويحوّل خسروي من مجرد معبر حدودي إلى مركز لوجستي محوري، تتكامل فيه شبكتا النقل البري والسككي، بما يعزز كفاءة نقل البضائع والركاب ويمنحه دوراً أكبر في حركة التجارة والعبور الإقليمي.
أبعد من مجرد إنشاء خط سكك حديدية
لا يُعدّ مشروع خط السكك الحديدية خسروي - خانقين - بغداد مجرد مشروع إنشائي، بل يمثل جزءاً من الإستراتيجية الإيرانية الرامية إلى تطوير ممرات النقل في غرب البلاد وتعزيز الترابط البنيوي مع الدول المجاورة. ويرى خبراء في قطاع النقل، أن ربط شبكة سكك الحديد الإيرانية بالعراق من شأنه أن يُخفض تكاليف نقل البضائع، ويُقلص زمن الشحن، ويُعزز الاستفادة من قدرات النقل بالسكك الحديدية في التبادل التجاري بين البلدين.
كما يُتوقع أن يسهم هذا المشروع في توفير البيئة المناسبة لتطوير المراكز اللوجستية، والمستودعات الحدودية، والصناعات المرتبطة بقطاع النقل، والخدمات المساندة، في مناطق غرب إيران، فضلاً عن إيجاد قيمة مضافة للمناطق الحدودية، بما يعزز مكانة محافظة كرمانشاه في الاقتصاد الوطني وفي حركة التجارة مع العراق بصورة أكبر.
الخلاصة:
لا يُمثل خط السكك الحديدية خسروي - خانقين - بغداد مجرد خط حديدي يربط بين بلدين، بل يمكن أن يتحول إلى بنية تحتية استراتيجية لتطوير التعاون الإقتصادي، وزيادة القدرات الترانزيتية، وتسهيل الرحلات الدينية، وتعزيز الروابط الإقليمية. وتتجه الأنظار حالياً إلى تنفيذ بنود مذكرة التفاهم وبدء العمليات التنفيذية على جانبي الحدود. وإذا استمر هذا المسار بالإرادة نفسها التي قادت إلى توقيع الاتفاق، فإن المشروع الذي ظل ينتظر تحقيقه لأكثر من نصف قرن يمكن أن يصبح أحد أبرز المشاريع المشتركة الخالدة بين إيران والعراق؛ وهو مشروع لن يسهم فقط في تعزيز مكانة منفذ خسروي الدولي ضمن شبكة النقل الإقليمية، بل سيفتح أيضاً آفاقاً جديدة أمام التعاون طويل الأمد بين البلدين.
البحث
الأرشيف التاريخي