الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • بمناسبة وداع وتشييع الإمام الشهيد المجاهد
العدد ثمانية آلاف وخمسة وتسعون - ٠٧ يوليو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وخمسة وتسعون - ٠٧ يوليو ٢٠٢٦ - الصفحة ٤

حين يُدفن قائد الأمّة ويبقى الأثر

هلا ضاهر
كاتبة لبنانية فائزة بجائزة الشهيد سليماني العالمية
 

/ لم أقترب من شخصية قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) من باب السياسة وحدها. كان بابي الأوّل إليه ثقافياً: رجلٌ يقرأ، ويتابع الكتب، ويزور معرض الكتاب كما يزور المرء مكاناً أليفاً يعرف رائحته وممراته ووجوه ناشريه. كنتُ أراقبه في تلك اللقطات وهو يتوقف عند العناوين، يسأل، يقلّب، يصغي، ويمنح الكتاب وقتاً لا يشبه مرور المسؤولين العابر بين الأجنحة. كان في علاقته بالكتاب شيء يخصّني ككاتبة؛ شيء يجعلني أراه قدوة لا في الموقف فقط، بل في معنى أن يبقى الإنسان قارئاً مهما اتسعت مسؤولياته.
شدّني أنه لم يكن قارئاً من بعيد. كان يتحدّث عن القراءة كخبرة شخصية، لا كنصيحة جاهزة. عُرف عنه حبّه للرواية، واهتمامه بالتاريخ والشعر والأدب، وقد تحدّث في أكثر من مناسبة عن مطالعته للكتب القصصية والروائية في شبابه، وعن عنايته بكتب أدب المقاومة والذكريات. هذا التفصيل ترك في داخلي أثراً خاصاً: أن القائد الذي يواجه قضايا الأمّة الكبرى لم يغادر مقعد القارئ، ولم يقطع صلته بذلك العالم الهادئ الذي تصنعه الصفحات. كأنّ الكتاب كان عنده وسيلة أخرى لفهم الإنسان، لا مجرد متعة ثقافية.
لذلك، حين أكتب عنه اليوم في أجواء الوداع، لا أبدأ من الغياب وحده، بل من ذلك الحضور الذي سبق الغياب: حضوره في علاقتي بالقراءة، وفي نظرتي إلى الثقافة، وفي إيماني بأن الكلمة يمكن أن تكون موقفاً، وأن الرواية قد تفتح باباً إلى فهم الشعوب والآلام والتحوّلات. كنتُ كلّما رأيته بين الكتب أستعيد سؤالاً داخلياً: كيف لرجل يحمل كل ذلك الثقل أن يبقى قريباً من الورق؟ ثم أجد الجواب في شخصيته نفسها؛ لأن مَن يريد أن يقود الوعي لا يستطيع أن يكون بعيداً عن مصادر الوعي.
القائد الذي جاور الكتاب
ما شدّني دائماً في شخصية سماحته، هو أنّ الثقافة عنده لم تكن تفصيلاً جانبياً. لم تكن زينة توضع حول الخطاب، ولا نافذة صغيرة تُفتح بعد الفراغ من الشؤون الكبرى. كانت جزءاً من أصل الرؤية. كان يتعامل مع الكتاب كما يتعامل العارف مع رفيق طويل الصحبة، ومع الشعر كما يتعامل المؤمن مع نَفَسٍ عميق يعبّر عمّا تعجز عنه السياسة أحياناً.
وهنا يكمن أثره الثقافي الأبرز: أنه أعاد للثقافة معناها الجاد. الثقافة ليست ترفاً، وليست كلاماً جميلاً يُقال في المناسبات. الثقافة عنده بناء للإنسان، وحراسة للهُويّة، وتربية للبصيرة. كان يدرك أن الهزيمة قد تبدأ من فكرة مشوّهة، من ذائقة مكسورة، من جيل لا يعرف ماذا يقرأ، ولا كيف يميّز بين الصوت الحقيقي والضجيج.
من هنا أفهم اهتمامه بالأدب والكُتّاب والفنّ والشعر. لم يكن ذلك اهتماماً عابراً، بل كان إيماناً بأن الكلمة قادرة على أن تقف في الخندق نفسه الذي تقف فيه البندقية؛ لكن على طريقتها: بهدوء، بتراكم، وبأثر لا يُرى سريعاً؛ لكنه يبقى طويلاً.
بين الحزم والرحمة
من السهل أن ترى في قائد الأمّة الشهيد وجه الحزم، لأن الحزم يترك صورته واضحة في المواقف الكبرى؛ لكن الأصعب، والأجمل، أن تلمح الرحمة خلف ذلك الحزم. في سيرة السيد القائد، كان حضور الأيتام والأطفال والفقراء يفتح باباً آخر لفهم شخصيته. هناك، بعيداً عن المنابر والخرائط والتحديات، تظهر الروح على حقيقتها.
كنتُ كلّما رأيتُ صورة له مع طفل أو يتيم، شعرت أن القائد الذي يحمل همّ الأمّة لا يجوز أن يفقد القدرة على الانحناء نحو دمعة صغيرة. تلك ليست لقطة عاطفية عابرة. إنها تكشف عن أصل في الشخصية: أن القوة إذا انفصلت عن الرحمة صارت قسوة، وأن القيادة إذا ابتعدت عن الإنسان فقدت معناها.
لهذا بقي في صورته شيء أبويّ عميق. ليس الأب الذي يكثر الكلام، بل الأب الذي يضع يده على الكتف في لحظة خوف، فيمنحك شعوراً بأنك لست وحدك. وربما لهذا كان صوته، في كثير من اللحظات، يخرج هادئاً لا مرتفعاً، ومع ذلك يترك في النفس أثراً أعمق من الصراخ.
ما تركه في داخلي
على المستوى الشخصي، لا أستطيع أن أفصل أثره عن معنى الثبات. كنتُ أتابع كلماته فأشعر أن الطمأنينة ليست غياب الخطر، بل معرفة الطريق وسط الخطر. كان يعلّمنا، من غير درس مباشر، أن المؤمن لا يحتاج إلى ضجيج كي يكون شجاعاً، وأن البصيرة ليست ادّعاءً كبيراً، بل قدرة على أن ترى ما وراء اللحظة.
أكثر ما كان يلفتني فيه ذلك الجمع النادر بين السكينة واليقين. في زمن تختلط فيه الأصوات، وتكثر فيه العناوين، وتُستنزف فيه القلوب بالأخبار، كان حضوره يوحي بأن الإنسان يستطيع أن يبقى ثابتاً من غير أن يتحجّر، وأن يكون واضحاً من غير أن يفقد أدبه، وأن يقف في الموقف الصعب من غير أن يستهلك روحه في الغضب.
ربما لهذا لم أشعر يوماً أن الحديث عنه ينتمي إلى السياسة وحدها. كان ينتمي إلى المعنى. إلى سؤال: كيف يصير الإنسان كبيراً من غير أن يستعلي؟ كيف يحمل همّ أمّة من غير أن تنطفئ رحمته؟ كيف يبقى قريباً من الكتاب وهو في قلب العواصف؟ وكيف يجعل من الإيمان قوة هادئة لا استعراضاً؟
ما لا يُدفن
حين يُدفن الإمام الشهيد، لا تُدفن معه الكتب التي أحبّها، ولا الكلمات التي أطلقها، ولا الوعي الذي أسهم في تشكيله. يذهب الجسد إلى التراب، وهذا حقّ الحياة على أبنائها؛ لكن الأثر لا يعرف الطريق نفسه. الأثر يبقى في قارئ فتح كتاباً لأنه آمن أن القراءة جزء من الجهاد الثقافي. يبقى في شاعر شعر أن للكلمة وظيفة أعلى من التزيين. يبقى في أمّ ربّت أبناءها على الثبات. يبقى في يتيم تذكّر يداً حانية. ويبقى في قلوب كثيرة وجدت في حضوره معنى الأبوة والولاية والبصيرة.
في أجواء دفنه، لا أكتب رثاءً تقليدياً. أشعر أن الرثاء وحده لا يكفي لرجل ترك هذا القدر من المعنى. أكتب محاولة صغيرة لفهم الحزن حين يتحوّل إلى وفاء، والغياب حين يصير مسؤولية. فما نفع البكاء إن لم يفتح فينا باباً للوعي؟ وما معنى الوداع إن لم يجعلنا أكثر انتباهاً لما بقي؟
رحل الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي(رض)؛ لكنّ صورته لا تقف عند حدود الغياب. ستبقى في الذاكرة هيئة رجل جمع بين القرآن والكتاب، بين الحزم والرحمة، بين الموقف والبصيرة. وسيبقى أثره يقول لنا إن الثقافة ليست بعيدة عن الإيمان، وإن الكلمة ليست بعيدة عن الموقف، وإن القائد إذا صار معنى في قلوب الناس، فإن التراب لا يأخذ منه إلا الجسد.

البحث
الأرشيف التاريخي