الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • بمناسبة وداع وتشييع الإمام الشهيد المجاهد
العدد ثمانية آلاف وخمسة وتسعون - ٠٧ يوليو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وخمسة وتسعون - ٠٧ يوليو ٢٠٢٦ - الصفحة ٤

الإمام الشهيد؛ قائد كسر حدود الزمن

د.نبيه علي أحمد
باحث وأكاديمي لبناني

/ في زمن التحولات الكبرى وعصر الصراعات المصيرية، تبرز في سماء الأمّة شخصيات استثنائية لا يقاس حضورها بالسنوات، بل بحجم الأثر والتغيير الفكري والسياسي الذي تحمله. ومن بين هذه القامات الشامخة، يتجلّى اسم سماحة آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي(رض)، كقائد ملهم وعالم ربّاني مجاهد، صاغ بمواقفه وثقافته معالم مرحلة تاريخية كاملة، وختم حياته الحافلة بأسمى آيات الفداء، تاركاً إرثاً حياً يواصل هداية الشعوب المستضعفة.
الإمام الشهيد ومكانته العلمية.. عمق الفقاهة والاجتهاد
لم يكن الإمام الشهيد مجرد قائد سياسي يدير دفة الحكم، بل كان في المقام الأول فقيهاً مجتهداً ومفكراً إسلامياً بارزاً. امتازت مكانته العلمية بعمق التأسيس الفقهي والأصولي، حيث تخرّج من أهمّ الحوزات العلمية وتتلمّذ على يد كبار مراجع الأمّة. تميز فقهه بالمعاصرة بالقدرة على استنباط الأحكام التي تلامس قضايا العصر ومستجداته، فلم يكتفِ بالجانب النظري، بل أسس لرؤية فقهية حركية قادرة على بناء الدولة وإدارة المجتمع وتوجيه الأمّة في أحلك الظروف. كانت بحوثه الفقهية وخطبه التوجيهية منارة لطلاب العلم والباحثين، تعكس دقة الفهم والنظرة الشمولية للدين الإسلامي كمنهج حياة متكامل.
المكانة الثقافية.. وعي كوني وأصالة فكرية
شكّلت الثقافة عند الإمام الشهيد بُعداً بنيوياً في شخصيته. فقد كان موسوعي المعرفة، يمتلك اطلاعاً واسعاً على الفلسفات الشرقية والغربية، وقراءات معمقة في التاريخ البشري والسياسي. هذا الوعي الكوني لم ينسلخ يوماً عن أصالته الإسلامية، بل استخدمه لتقديم قراءة نقدية دقيقة للثقافة الغربية، وتبيان نقاط ضعفها وتناقضاتها. لقد آمن الإمام الشهيد بأن المعركة الحقيقية هي معركة وعي وثقافة، ولذلك ركّز طوال حياته على تعزيز الهُويّة الثقافية المستقلة للأمّة، ومواجهة محاولات التغريب والمسخ الثقافي، داعياً الشباب دائماً إلى التسلح بالوعي والبصيرة ليكونوا قادة المستقبل. إنّ عظمة شخصيته الثقافية تكمن في ذلك المزيج المدهش بين «أصالة الفقيه الحوزوي» و»حداثة المثقف الكوني»، وهو ما جعل فكره أشبه بقلعة حصينة تتنفس هواء العصر دون أن تفقد هُويّتها الجذورية.

1- الانفتاح على الفكر العالمي
من الملامح الأكثر جاذبية في شخصية الإمام الشهيد هي نَهَمه المعرفي العابر للقارات. لم يسجن نفسه داخل جدران النص التراثي؛ بل كان قارئاً فذاً للروايات الأدبية العالمية، ومتابعاً دقيقاً لحركات الحداثة الفكرية.
لقد قرأ روائع الأدب الروسي (مثل ديروز وتولستوي وشولوخوف)، والأدب الفرنسي (مثل فيكتور هوغو وجان بول سارتر)، والأدب اللاتيني. ولم تكن قراءته للمتعة، بل كان يمتلك قدرة تفكيكية عجيبة على قراءة «الروح النفسية والسياسية» للشعوب من خلال أدبها. هذا الانفتاح جعله قادراً على تفكيك خطاب «الحداثة الغربية» من الداخل، ومحاججة الغرب بأدواته الفلسفية والأدبية نفسها، وهو جانب يثير الدهشة والاحترام لدى سائر النخب الفكرية عالمياً.

2- الناقد والمؤرخ الفكري: صائد التفاصيل
لم يكن الإمام الشهيد مستهلكاً للثقافة، بل كان منتجاً وناقداً لها. يظهر ذلك جلياً في قراءته للتاريخ؛ حيث كان يمتلك ذاكرة تاريخية حديدية وقدرة على ربط الأحداث السياسية بجذورها الثقافية والاجتماعية عبر مئات السنين.
في جلساته الفكرية، كان يحلل التيارات الأدبية والفلسفية بدقة بروفيسور أكاديمي متمرس، فيشخص بدقة متناهية أين تعثرت الفلسفة المادية، وأين أصاب الفكر الإنساني الغربي، وكيف يمكن للمنهج الإسلامي أن يملأ الفراغ الروحي والمعرفي الذي يعاني منه إنسان العصر الحديث. هذا العمق النَقدي حوّل خطاباته من مجرد توجيهات سياسية إلى «وثائق فكرية استراتيجية» تُدرس.

3- «رادار» الاستشراف المعرفي والوعي بالوقت
من الجوانب الجاذبة جداً في عبقريته الثقافية هي المعاصرة الفائقة والسبق المعرفي. كان يمتلك حساً استشرافياً نادراً؛ فقبل أن يتحدث العالم عن «الغزو الثقافي» أو «الحرب الناعمة» بمصطلحاتها الحديثة، كان سماحته أول مَن صاغ هذه المفاهيم، وحذر من «الهجوم الثقافي غير المرئي» للاستكبار، واصفاً إياه بـ «الناتو الثقافي». هذا الوعي جعله يركز بشكل دائم على ضرورة إنتاج محتوى ثقافي أصيل (من كتب، وسينما وفنون) يمتلك القدرة على المنافسة العالمية، معتبراً أن الجبهة الثقافية هي خط الدفاع الأول والأخير عن سيادة الشعوب وحريتها.

4- كيمياء العلاقة مع المبدعين.. تواضع العلماء وجاذبية القيادة
تتجلى عظمة الشخصية الثقافية للإمام الشهيد في «أنسنة الثقافة». في لقاءاته الشهيرة مع الشعراء والأدباء والفنانين والمخرجين، كان يخلع عباءة القائد السياسي الصارم ليرتدي عباءة الوالد والموجّه والمشارك.
كان يستمع للقصيدة وينتبه لـ «الكسر العروضي» الخفي، ويناقش المخرج السينمائي في زوايا الإضاءة وعمق الكادر وحبكة السيناريو، ويتبادل الآراء مع الروائيين حول رسم الشخصيات. هذه الإحاطة التفصيلية بالفنون والآداب أوجدت رابطاً روحياً وثقافياً فريداً بينه وبين جيل المبدعين؛ فلم يروه مجرد مرجع ديني، بل وجدوا فيه «المثقف الأول» الذي يفهم لغتهم الرمزية، ويقدر قيمة «الجمال» كرسالة إلهية لإصلاح البشرية.
كانت لقاءاته السنوية الدورية مع الشعراء والأدباء محطة بارزة ينتظرها أهل الفكر، حيث كان يناقش القوافي والبحور، ويوجه بوصلة الأدب ليكون أدباً رسالياً ملتزماً بقضايا الإنسان والحرّية. آمن سماحته بأن الفن، بمختلف أشكاله من سينما ورسم ومسرح، هو أرقى وأقوى أداة لتخليد القيم الإنسانية والثورية، وتوثيق ملاحم الصمود والتضحية.
إنّ هذه الملامح الثقافية الفريدة تكشف أن سماحته لم يكن يقود أمّة بحدّ السيف أو بقوة السياسة وحسب، بل كان يقودها بسلطان الوعي، وجاذبية الفكر، وسحر البيان. لقد قدّم للعالم نموذجاً حيّاً للقائد الإسلامي الذي يستوعب علوم الماضي، ويفكك شيفرات الحاضر، ويبني جسوراً متينة نحو المستقبل.
مكانته العالمية في حماية الشعوب المستضعفة.. بوصلة الحق
تجاوزت عباءة الإمام الشهيد الحدود الجغرافية والقومية، لتصبح مظلة أمان لكل المستضعفين في الأرض. انطلق في رؤيته السياسية والعالمية من المبدأ القرآني الداعي لنصرة المظلوم ومواجهة المستكبر.
من فلسطين إلى لبنان، ومن اليمن إلى شتى بقاع الأرض التي عانت من الظلم والغطرسة الدولية، كان الإمام الشهيد السند الأقوى والداعم الأكبر لحركات المقاومة والشعوب الساعية للحرية والاستقلال. لم تكن مواقفه مجرد تصريحات دبلوماسية، بل ترجمت إلى دعم استراتيجي، سياسي، وميداني، جعل من محور المقاومة قوة إقليمية وعالمية لا يمكن تجاوزها، وأعاد للأمم المستضعفة ثقتها بقدرتها على انتزاع حقوقها بفضل الصمود والاعتماد على الذات.
شهادته؛ وأثرها في هزيمة محور الشرّ العالمي
إنّ الختام المسك لحياة هذا العالم القائد لم يكن إلا بنيل وسام الشهادة الرفيع، وهو المقام الذي طالما تطلع إليه وجاهد من أجله. إن شهادة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي(رض) لم تكن نهاية للمسيرة، بل كانت بعثاً جديداً وضخاً لدماء حارة في عروق الأمّة. لقد توهّم «محور الشرّ العالمي» بقواه الاستكبارية والصهيونية أن غياب الجسد سيؤدي إلى تفكيك المشروع وانكسار الإرادة؛ لكن النتيجة جاءت عكسية تماماً.
أحدثت الشهادة زلزالاً فكرياً وعاطفياً وحَّد الساحات وجمع القلوب على خيار المواجهة الحتمية. تحولت دماؤه الزكية إلى وقود لوعي جمعي عابر للقارات، وأعطت دفعاً معنوياً هائلاً للمجاهدين في الميدان، مؤكدة أن القادة في هذا المحور يتقدمون نحو الشهادة كما يتقدمون نحو النصر. هذه التضحية الكبرى عمقت من مأزق الاستكبار العالمي، وكشفت عن زيف قوته الردعية، لتسجل الشهادة بداية مرحلة السقوط الفعلي والتاريخي لمحور الشر، وصعود فجر جديد تمتلك فيه الشعوب المستضعفة قرارها وحرّيتها.

البحث
الأرشيف التاريخي