تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
والصين وروسيا ترصدان تراجع القوة الأميركية
أميركا تتهاوى.. الحرب تكشف زيف القوة التي روّجت لها واشنطن لعقود
لقد شاهد العالم، ومعه القوى الصاعدة، كيف تحوّلت الولايات المتحدة من قوة تدّعي القدرة على خوض حربين كبيرتين في وقتٍ واحد، إلى دولة تتعثر في صراعٍ واحد، وتستنزف قدراتها بسرعة، وتفقد السيطرة على تداعياته الاقتصادية والسياسية. هذه الحرب لم تُضعف واشنطن فقط، بل كشفت أنّ الإمبراطورية المزعومة التي قدّمت نفسها كضامن للنظام الدولي، لم تعُد قادرة على حماية صورتها، ولا على فرض قواعد اللعبة كما اعتادت.
الانهيار الاستراتيجي.. واشنطن التي تهتزّ عند أول اختبار
ما رصدته القوى الكبرى في هذا العدوان لم يكن مجرد تراجع تكتيكي، بل انهيار في جوهر العقيدة الأميركية نفسها. فالقوة التي لطالما تغنّت بقدرتها على الحسم السريع، ظهرت عاجزة عن تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية. كانت واشنطن تضرب، لكنها تضرب بلا هدف واضح، بلا قدرة على فرض نهاية، بلا رؤية لما بعد الضربة.
هذا العجز لم يمرّ مرور الكرام على بكين وموسكو. لقد رأتا أنّ الولايات المتحدة، رغم ترسانتها الضخمة، لم تعُد تمتلك القدرة على فرض إرادتها، وأنّ خطابها عن «الجاهزية العالمية» ليس سوى واجهة تخفي خلفها جيشاً مرهقاً، ومؤسسة عسكرية تعاني من تضخم الإنفاق وسوء التخطيط، واقتصاداً لا يتحمل صدمات طويلة.
سقطت الهيبة الأميركية ليس فقط لأن خصومها أصبحوا أقوى وأكثر جرأة، بل أيضاً لأن واشنطن نفسها باتت أضعف مما تدّعي؛ فتراجع قدرتها على فرض إرادتها ومصداقية ردعها كشف حدود القوة الأميركية أمام عالمٍ يتغير.
الوقت.. السلاح الذي هزم الولايات المتحدة
أخطر ما كشفته الحرب هو أنّ الزمن لم يعُد يعمل لصالح واشنطن. فالدولة التي اعتادت شنّ حروب قصيرة تعتمد على الصدمة والترويع، وجدت نفسها أمام صراع يمتد ويتشعب، فيما تتسارع تداعياته الاقتصادية بطريقة تفوق قدرتها على الاحتواء.
الأسواق الأميركية اهتزّت بسرعة، وسلاسل التوريد تضررت، والضغوط الداخلية تصاعدت، وكأنّ الولايات المتحدة لم تعُد تمتلك القدرة على إدارة حرب طويلة، لا عسكرياً ولا اقتصادياً.
هذا الانكشاف كان بمثابة هدية استراتيجية للصين التي تدرك أنّ أي صراع في آسيا لن يحتاج إلى مواجهة مباشرة، بل يكفي أن يمتدّ قليلاً حتى تبدأ واشنطن بالاختناق. أمّا روسيا، فوجدت في هذا الانهيار الزمني دليلاً إضافياً على أنّ الغرب لا يستطيع الصمود في معركة طويلة، وأنّ التفوق الحقيقي هو لمن يمتلك القدرة على الاستمرار، لا لمن يمتلك التكنولوجيا الأكثر تطوراً.
الصين وروسيا.. خصمان قرءا الضعف الأميركي واستخلصا دروس المرحلة الجديدة
تعاملت الصين وروسيا مع التطورات الدولية بوصفها فرصةً استراتيجية لفهم حدود القوة الأميركية وإعادة تقييم موازين القوى العالمية. وفي نظر كل من بكين وموسكو، لم يعُد السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال قوية، بل إلى أي مدى تستطيع تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية وعسكرية حاسمة في عالمٍ يزداد تعقيداً.
بالنسبة للصين، لم تكن تراقب الصراعات من بعيد، بل كانت تدرسها باعتبارها نموذجاً أولياً لأي مواجهة مستقبلية محتملة في غرب المحيط الهادئ. وقد خلصت بكين إلى أنّ الولايات المتحدة، التي تعتمد على خطوط إمداد طويلة وقواعد بعيدة عن أراضيها، تواجه تحديات كبيرة في خوض حروب استنزاف طويلة الأمد. كما رأت أنّ أي صراع حول تايوان قد يضع واشنطن أمام خيارات صعبة؛ فإما تخصيص موارد هائلة على حساب التزاماتها العالمية الأخرى، أو الانخراط في مواجهة مكلفة يصعب حسمها بسرعة.
والأهم أنّ الصين باتت أكثر اقتناعاً بأن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالتفوق العسكري التقليدي، بل بامتلاك القدرة على إدارة الضغوط الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والنفسية لفترات طويلة. فمن وجهة نظرها، يمكن استنزاف الخصم عبر الوقت والأسواق وسلاسل التوريد بقدر ما يمكن استنزافه في ساحات القتال. لذلك تعمل بكين على تعزيز أدواتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وهي ترى أن الصراع المستقبلي سيكون صراع قدرة على التحمّل بقدر ما هو صراع قوة نارية.
أمّا روسيا، فقد رأت في هذه التطورات تأكيداً لقناعة ترسخت لديها في السنوات الماضية بأن التراجع أمام الضغوط الأميركية لا يؤدي إلى تسويات مستقرة، بل غالباً ما يفتح الباب أمام مطالب وضغوط إضافية. ولهذا ازدادت موسكو اقتناعاً بأنّ الصمود الطويل وفرض الوقائع على الأرض أكثر فاعلية من تقديم التنازلات انتظاراً لتفاهمات مع الغرب.
وفي الوقت نفسه، لاحظت روسيا أنّ أدوات الضغط الغربية، وعلى رأسها العقوبات الاقتصادية، لم تعُد تحقق النتائج السياسية الحاسمة التي كانت تحققها في العقود السابقة. فرغم الأضرار الاقتصادية الواضحة، تمكنت موسكو من التكيف تدريجياً عبر توسيع شراكاتها مع دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، والعمل على بناء قنوات مالية وتجارية بديلة تقلل من الاعتماد على المنظومة الغربية. وبالنسبة لكل من الصين وروسيا، فإنّ الدرس الأبرز كان أنّ النفوذ الأميركي لم يعُد مطلقاً كما كان في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فصعود قوى دولية منافسة من جهة، وتراجع قدرة واشنطن على فرض إرادتها بسرعة وحسم من جهةٍ أخرى، ساهما في إعادة تشكيل البيئة الدولية، وفتحا الباب أمام مرحلة تتسم بمنافسة أشد وتوازنات أكثر تعقيداً مما عرفه العالم في العقود الماضية.
أميركا في مرحلة الأفول.. والعالم يكتب فصلاً جديداً
ختاماً الحرب الأخيرة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت لحظة مفصلية كشفت حدود القوة الأميركية، وأظهرت أنّ العالم يتحرك نحو نظام جديد لا تملك واشنطن القدرة على منعه. الصين رأت هشاشة الاقتصاد الأميركي، وروسيا رأت عبثية التنازلات، والدول النامية رأت ازدواجية المعايير الغربية.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة، حيث القوة لم تعد حكراً على طرف واحد، وحيث الأخطاء الأميركية تتحول إلى مكاسب مجانية لخصومها. وإذا لم تدرك واشنطن أنّ زمن الهيمنة المطلقة قد انتهى، فقد تجد نفسها في عالم لا تُكتب قواعده في البيت الأبيض، بل في عواصمٍ أخرى صاعدة بثبات.
