تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
بريطانيا تشتعل..
تصاعد العنف وصعود اليمين المتطرف يكشفان أزمة هوية عميقة في أوروبا
وتأتي هذه التطورات في وقتٍ تواجه فيه أوروبا بأكملها تحديات متشابكة تشمل الحروب الإقليمية، والأزمات الاقتصادية، وتزايد تدفقات المهاجرين واللاجئين من مناطق النزاع والفقر. لذلك لا يمكن النظر إلى ما يحدث في بريطانيا باعتباره حدثاً محلياً معزولاً، بل بوصفه جزءاً من تحولات أوسع تعيد تشكيل العلاقة بين الأمن والهجرة والسياسة داخل القارة الأوروبية.
من حادثة جنائية إلى أزمة سياسية
اندلاع أعمال الشغب في بلفاست عقب اتهام مهاجر سوداني بمحاولة القتل كشف سرعة تحول الحوادث الجنائية الفردية إلى وقود لصراعات سياسية واجتماعية أوسع. ففي ساعات قليلة انتقلت القضية من إطارها القانوني إلى ساحة السجال العام، حيث استُخدمت الحادثة لتغذية خطاب يربط بين الهجرة والجريمة ويحمّل المهاجرين مسؤولية المشكلات الأمنية.
هذا التحول يعكس حجم الاحتقان المتراكم داخل قطاعات من المجتمع البريطاني، خاصةً في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وفي مثل هذه الظروف تصبح قضايا الهجرة مادةً جاهزة للاستثمار السياسي، إذ يسهل تقديم المهاجرين بوصفهم سبباً للأزمات الداخلية، حتى عندما تكون جذور تلك الأزمات أكثر تعقيداً وارتباطاً بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
وقد عبّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان عن قلقه من استغلال بعض الجهات لهذه الأحداث لنشر خطابات الكراهية والتحريض، محذراً من أنّ تحويل الأقليات إلى«كبش فداء» يهدد السلم الأهلي ويعمّق الانقسامات المجتمعية.
صعود اليمين المتطرف وتغيّر المزاج الشعبي
تكشف الاحتجاجات الأخيرة أنّ اليمين المتطرف في بريطانيا لم يعُد ظاهرة هامشية كما كان في السابق، بل بات قادراً على التأثير في النقاش العام وفرض قضاياه على الأجندة السياسية. فالمسيرات المناهضة للهجرة التي شهدتها البلاد في الأشهر الأخيرة تعكس تنامي شعور لدى بعض الفئات بأنّ الدولة فقدت السيطرة على الحدود وأنّ سياسات اللجوء الحالية لم تعُد قابلة للاستمرار.
وتستفيد الأحزاب والحركات الشعبوية من هذا المناخ عبر طرح حلول مبسطة لقضايا معقدة، تقوم على تشديد القيود الحدودية وتقليص الهجرة وتسريع عمليات الترحيل. ورغم أنّ هذه الطروحات لا تعالج الأسباب الحقيقية للأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، فإنها تجد صدى لدى قطاعات تشعر بالقلق من المستقبل أو بالتهميش الاقتصادي.
ويزداد تأثير هذه الخطابات كلما تراجعت الثقة بالمؤسسات التقليدية والأحزاب الكبرى، الأمر الذي يجعل ملف الهجرة أحد أهم ساحات الصراع السياسي في بريطانيا في السنوات المقبلة.
الهجرة بين الأمن والاقتصاد
الجدل الدائر حول الهجرة في بريطانيا لا ينفصل عن البعد الاقتصادي. فمن جهة، تحتاج قطاعات واسعة من الاقتصاد البريطاني إلى العمالة الأجنبية، خصوصاً في مجالات الصحة والرعاية والخدمات والزراعة. ومن جهةٍ أخرى، يعتقد جزء من الرأي العام أنّ زيادة أعداد المهاجرين تفرض ضغوطاً إضافية على الخدمات العامة وسوق العمل والإسكان.
هذا التناقض يضع الحكومات المتعاقبة أمام معادلة صعبة. فخفض الهجرة بصورة حادة قد يضر بالاقتصاد ويؤدي إلى نقص في اليد العاملة، بينما يؤدي استمرار التدفقات المرتفعة إلى تغذية الاحتقان السياسي وصعود التيارات المناهضة للمهاجرين.
لذلك تبدو الأزمة الحالية أعمق من مجرد خلاف حول أعداد الوافدين، إذ تتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي تريد بريطانيا اعتماده في مرحلة ما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
أوروبا أمام تحدٍ مشترك
ما تشهده بريطانيا ليس استثناءً أوروبياً. فمعظم دول القارة تشهد نقاشات مماثلة حول الهجرة والهوية الوطنية والأمن الداخلي. وقد ساهمت الحروب في غرب آسيا وأفريقيا وأوكرانيا، إضافة إلى التفاوت الاقتصادي العالمي، في زيادة الضغوط على الحدود الأوروبية.
وفي المقابل، تواصل الحكومات الأوروبية تشديد سياسات الهجرة والرقابة الحدودية، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي المتصاعد. إلا أنّ هذه السياسات لم تنجح حتى الآن في إنهاء الجدل، بل أحياناً ساهمت في تعزيز الانقسام بين المدافعين عن حقوق المهاجرين والداعين إلى إغلاق الحدود بصورة أكبر.
وتخشى مؤسسات دولية عديدة من أن يؤدي استمرار هذا المناخ إلى تطبيع خطاب الكراهية ضد المهاجرين، بما يهدد القيم التي قامت عليها الديمقراطيات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.
أزمة إنسانية تتجاوز الحدود
في الوقت الذي تتصاعد فيه الاحتجاجات المناهضة للهجرة داخل أوروبا، تتواصل المآسي الإنسانية على طرق الهجرة البحرية والبرية. فآلاف الأشخاص ما زالوا يخاطرون بحياتهم سنوياً لعبور البحر المتوسط أو المحيط الأطلسي بحثاً عن الأمان أو فرص العيش.
وتكشف الأرقام المتعلقة بجزر الكناري وطرق الهجرة الأخرى أنّ تشديد الإجراءات الأمنية لم ينجح في وقف الظاهرة بالكامل، بل دفع كثيرين إلى سلوك طرق أكثر خطورة. وهنا يظهر التناقض الأساسي في السياسات الأوروبية: الحاجة إلى ضبط الحدود من جهة، والعجز عن معالجة الأسباب العميقة للهجرة من جهةٍ أخرى.
فالفقر والحروب والنزاعات وانعدام الاستقرار السياسي تبقى عوامل تدفع ملايين البشر إلى البحث عن مستقبل خارج أوطانهم، ما يجعل الهجرة قضية عالمية لا يمكن حلها بالإجراءات الأمنية وحدها.
بريطانيا بين الاستقرار والانقسام
تواجه بريطانيا اليوم اختباراً حساساً يتعلق بقدرتها على حماية الأمن الداخلي من دون الانزلاق نحو مزيد من الاستقطاب الاجتماعي. فاستمرار ربط الهجرة بكل أزمة داخلية قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات بين مكونات المجتمع، بينما يتطلب الحفاظ على الاستقرار مقاربة أكثر توازناً تجمع بين احترام القانون ومكافحة خطاب الكراهية وإدارة ملف الهجرة بواقعية.
كما أنّ نجاح الحكومة في احتواء التوترات الحالية سيؤثر بصورةٍ مباشرة على مستقبل الحياة السياسية البريطانية، خاصةً مع اقتراب استحقاقات انتخابية قد تجعل من قضية الهجرة محوراً رئيسياً للتنافس بين الأحزاب.
ختاماً، تكشف الأحداث الأخيرة حجم التناقض في السياسات البريطانية تجاه ملف الهجرة، حيث فشلت الحكومات المتعاقبة في معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، ولجأت بدلاً من ذلك إلى سياسات متشددة وخطابات غذّت الانقسام الاجتماعي والتوترات الداخلية. فتصاعد العنف ضد المهاجرين واتساع نفوذ اليمين المتطرف ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل نتيجة مباشرة لمناخ سياسي وإعلامي جعل من المهاجرين مُبرر للأزمات الاقتصادية والأمنية. ومع استمرار التضييق على اللاجئين وتشديد القيود الحدودية دون حلول جذرية، تواجه بريطانيا اليوم أزمة متفاقمة تُهدد السلم الاجتماعي وتكشف إخفاقاً متزايداً في إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسية في العصر الحديث.
