تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
كيف غيّرت إيران معادلة ضرب لبنان؟
خط أحمر واضح
وكانت طهران قد أعلنت بوضوح، منذ الأسبوع الماضي، أن استهداف بيروت وضاحيتها يمثل خطاً أحمر، وأن أي تجاوز له سيواجه بعمل عسكري. وقد ورد ذلك صراحة في بيانات وزير الخارجية، ورئيس مجلس الشورى الاسلامي، وقائد مقر خاتم الأنبياء(ص) المركزي الصادرة في 1 حزيران/ يونيو. ورغم تراجع قادة الكيان الصهيوني، بعد تدخل دونالد ترامب ومحادثته المتوترة مع بنيامين نتنياهو، عن خطة الهجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت، إلا أنهم عادوا لتنفيذ هجوم محدود لاختبار جدية طهران. وكان الردّ الإيراني سريعاً، إذ لم تتجاوز الفترة الزمنية بين الهجومين سوى بضع ساعات، مما أثبت أن إيران لا تكتفي بالتهديدات اللفظية، بل تمتلك الجاهزية الكافية للردّ الفوري على تجاوز خطوطها الحمراء.
لبنان.. عقدة رئيسية
يُعدّ انضمام لبنان إلى اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب أحد أهمّ الاختبارات التي تخوضها طهران لتقييم مدى جدية الطرف الآخر في التوصل إلى اتفاق دائم. ولذلك شكّل لبنان، خلال الشهرين الماضيين، إحدى العقد الأساسية في الوصول إلى تفاهم لإنهاء الحرب بين إيران وأمريكا. فالهجمات الصهيونية على جنوب لبنان لم تتوقف ولو ليوم واحد، حتى بعد إعلان ترامب هدنة لمدة 10 أيام في لبنان، استمر الكيان في اعتداءاته.
كانت نقطة التحول يوم الإثنين الماضي، حين أعلن نتنياهو ووزير حربه، في بيان مشترك، عن خطة لقصف العاصمة اللبنانية. وهو ما قوبل بردّ إيراني فوري؛ حيث كتب وزير الخارجية عباس عراقجي: "وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا، وبلا أي غموض، يعني وقفاً على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وأي خرق له على أي جبهة يُعتبر خرقاً له على جميع الجبهات". كما كتب رئيس الوفد التفاوضي الإيراني محمد باقر قاليباف: "لكل خيار ثمن، وفاتورته ستُسدى".
التهديد المعتبر باستخدام القوة
الرغبة والإرادة في استخدام القوة تُعتبر ضماناً لفرض الخطوط الحمراء، وأي تقصير من طهران في تنفيذ تهديداتها سيجعل مصداقيتها موضع شك. وقد أثبتت طهران، بعملها العسكري، أن تهديداتها ليست مجرد بيانات لفظية، بل لكل خط أحمر ترسمه دعم عسكري واضح وموثوق.
وفي هذا السياق، كتب الباحث في معهد الدراسات الأمنية الوطنية الصهيونية داني سيترينوفيتش على منصة "إكس": أن "قادة إيران أصبحوا مقتنعين أكثر من أي وقت مضى بأن ما لا يمكن تحقيقه عبر الدبلوماسية، يمكن تحقيقه في النهاية باستخدام القوة العسكرية. ومن هذا المنطلق، دخلت الجمهورية الإسلامية مرحلة تلاشى فيها ضبط النفس والحذر لصالح فرض حقائق جديدة عبر الصواريخ والمسيرات".
اختبار ترامب
من جهته، تحدّث الرئيس الأمريكي باستمرار عن قرب التوصل لاتفاق مع إيران، مدّعياً أن معظم نص تفاهم إنهاء الحرب أصبح مقبولاً من الطرفين؛ لكن ما يهمّ طهران أكثر من النص والتوقيع هو الاستدامة والتنفيذ الدقيق، خاصة وأن ترامب لديه سجل واضح في خرق العهود والانسحاب من الاتفاقات.
وضمن هذا الاطار، أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، أن "أميركا مسؤولة مباشرة عن أي إجراء يقوم به الكيان الصهيوني ينتهك السلام والأمن الإقليميين تجاه إيران".
أمّا إسفنديار باتمانقليتش، المحلل الدولي، فيرى أن "الإيرانيين، بإصرارهم على أن تشمل مذكرة التفاهم وقف إطلاق النار في لبنان، يختبرون مصداقية التعهدات الأمنية الأميركية، ليروا ما إذا كان ترامب قادراً على كبح جماح الكيان الصهيوني في فنائه الخلفي".
الردع الشامل
بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب والجرائم الصهيونية الواسعة في غزة ولبنان، وبدء حربين مع إيران واستهداف دول كاليمن وسوريا والعراق وقطر، دخلت طهران على خط المواجهة مباشرة لوضع حد لهذه الاستراتيجية العدوانية، وبالتالي لم تعد القوة العسكرية الإيرانية مجرد أداة لمنع الهجوم على أراضيها، بل أصبحت أداة لمنع التصعيد في المنطقة بأسرها.
ووفقاً لهذه المستجدات، قال النائب التنفيذي لمعهد كوينسي في أمريكا تریتا بارسي: انه "لأول مرة منذ فترة طويلة، وضعت دولة قوية دعماً عسكرياً وقوة صلبة حقيقية خلف تحذيراتها أو ردعها ضد هجوم صهيوني على دولة ثالثة".
ويرى العديد من المحللين أن ستراتيجية طهران تحولت من الردع المحدود إلى "الردع الشامل"، أي أن القوة العسكرية الإيرانية لم تعد تستخدم فقط لحماية الأراضي الإيرانية، بل لمنع التصعيد في كل المنطقة. وكتب سيترينوفيتش في هذا الشأن: أن "إيران أظهرت استعداداً أكبر لاستخدام القوة العسكرية بشكل مباشر لتثبيت الردع وفرض حقائق إقليمية جديدة". وهنا يمكن القول أن الردع الشامل قد يكون الأداة التي تضع حداً لحروب الصهاينة الممتدة منذ عقود في منطقة غرب آسيا، ويثبت بأن طهران قد دخلت مرحلة جديدة من المعادلة الإقليمية، حيث أن الدبلوماسية والميدان جنباً إلى جنب قادران على صدّ الأعداء.
