اليمن يُثبّت «وحدة الساحات» ويُفعّل ورقة البحر الأحمر
أحمد داوود
أعلنت القوات المسلحة اليمنية، صباح الإثنين 6 يونيو 2026، قصف أهداف حسّاسة للعدو الإسرائيلي بدفعة من الصواريخ في منطقة يافا المحتلة، وأعلنت حظر الملاحة البحرية بشكل كامل أمام العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر.
وجاءت هذه الخطوة بالتزامن مع عمليات نوعية للقوات المسلحة الإيرانية طالت عمق كيان العدو رداً على استمرار العدوان الصهيوني على لبنان وإيران، ما يمثل تطوراً استراتيجياً لافتاً في مسار الحرب، وانتقال الصراع إلى مرحلة أكثر اتساعاً تقوم على تفعيل كل جبهات محور المقاومة.
وبررت القوات المسلحة اليمنية دخولها إلى ساحة المعركة بأنها تأتي للتصدي للعدوان الأمريكي والصهيوني على محور الجهاد والمقاومة في إيران وفلسطين ولبنان والعراق واليمن، ورفضاً للمشروع الصهيوني الساعي لإقامة "إسرائيل الكبرى" تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد"، وسعياً منها إلى كسر الحصار الظالم والغاشم الذي يفرضه العدو الأمريكي على الشعب اليمني وشعوب المحور الحرة والعزيزة في لبنان وغزة وإيران، مؤكداً أن دخولها إلى ساحة المعركة يأتي كذلك في إطار مبدأ وحدة الساحاتِ ومواجهة الأعداء، ورداً على العدوان الصهيوني على لبنان وإيران وغزة.
ويحمل هذا التحول دلالات تتجاوز البُعد العسكري المباشر، وينقل اليمن من موقع المساندة الجزئية إلى موقع الشريك المباشر في إدارة المواجهة الإقليمية، وهو ما يطرح تساؤلات مهمة حول تأثير هذه المشاركة على موازين القوى، وعلى مستقبل الصراع الدائر في المنطقة، وعلى قدرة العدو الإسرائيلي وحلفائه على التعامل مع جبهات متعددة ومتزامنة في آن واحد، وما الذي يمكن أن يضيفه اليمن إلى المعركة؟
وتكمن أهمية دخول اليمن إلى ساحة المواجهة في أن الجبهة اليمنية تمتلك خصائص استراتيجية مختلفة عن بقية ساحات محور المقاومة، فإلى جانب القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة التي أثبتت قدرتها على الوصول إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، يسيطر اليمن على موقع جغرافي بالغ الأهمية يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق "باب المندب" الذي يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وخطاً رئيسياً للتجارة الدولية وحركة الطاقة العالمية.
ومن هذا المنطلق، لا تمثل المشاركة اليمنية إضافة عسكرية فحسب، بقدر ما تضيف بُعداً اقتصادياً واستراتيجياً إلى المعركة، إذ تملك صنعاء القدرة على التأثير في حركة الملاحة المرتبطة بالعدو الإسرائيلي ورفع كلفة الحرب عليه وعلى داعميه، وهنا يشهر اليمن أهم ورقة كانت ينتظرها العالم وهي "باب المندب" ما يجعل الضغوط تتزايد على العدو الأمريكي، نتيجة الآثار التي ستطال اقتصاد العالم نتيجة إغلاق أهم مضيقين في العالم "هرمز" و"باب المندب".
ويعتمد العدو الإسرائيلي بصورة متزايدة على الممرات البحرية في البحر الأحمر للوصول إلى الأسواق الآسيوية وتأمين جزء من وارداته وصادراته، كما أن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي ويزيد من تكاليف النقل والتأمين والشحن، وقد تمكّن اليمن خلال إسناده لقطاع غزة منذ 2023م تعطيل ميناء "إيلات" (جنوبي فلسطين المحتلة)، ما أدى إلى إغلاقه بالكامل.
كما أن دخول اليمن يعزز من الضغوط النفسية والسياسية على المؤسسة الأمنية الصهيونية، التي تجد نفسها أمام تهديدات متزامنة من أكثر من اتجاه، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بإدارة الحرب واستنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية.
ويكتسب الإعلان اليمني أهمية إضافية لأنه يمثل ترجمة عملية لمفهوم "وحدة الساحات" الذي برز خلال السنوات الماضية باعتباره أحد المرتكزات الفكرية والسياسية لمحور المقاومة، ويقوم هذا المفهوم على اعتبار أن أي عدوان يستهدف إحدى ساحات المحور لا ينبغي أن يبقى محصوراً في نطاقه الجغرافي الضيق، وإنما يجب أن يستدعي مواقف وإجراءات من بقية الساحات وفقاً لمقتضيات المرحلة وطبيعة التهديد.
وخلال الفترات السابقة ظلّ مفهوم "وحدة الساحات" محكوماً بدرجات متفاوتة من التنسيق السياسي والميداني، غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن هذا المفهوم يتجه نحو مستويات أكثر تقدماً من التفعيل العملي، خصوصاً بعد الربط المباشر بين العدوان على إيران ولبنان وبين قرار القوات المسلحة اليمنية توسيع عملياتها العسكرية.
ويعني ذلك أن العدو الإسرائيلي قد يواجه مستقبلاً معادلة أكثر تعقيداً، قوامها أن استهداف أي طرف من أطراف محور المقاومة قد يؤدي إلى تفاعلات متزامنة في أكثر من جبهة، الأمر الذي يزيد من كلفة أي قرار بالتصعيد ويحدّ من هامش المناورة أمام صُنّاع القرار في "تل أبيب" وواشنطن.
وتشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تحكم مسار الأحداث خلال المرحلة المقبلة: السيناريو الأول يتمثل في اتساع نطاق الحرب بصورة أكبر، بحيث تتجاوز المواجهة حدودها الحالية لتشمل ساحات وممرات استراتيجية إضافية، وهو سيناريو يزداد احتمالاً كلما استمر العدو الإسرائيلي في توسيع اعتداءاته ضدّ إيران ولبنان واليمن.
أمّا السيناريو الثاني، فيقوم على نجاح معادلة الردع الجديدة في فرض قيود على حركة العدو الإسرائيلي وإجباره على إعادة حساباته، بحيث يصبح أي عدوان على إحدى دول أو قوى المحور محفوفاً بمخاطر ردود متزامنة من أكثر من ساحة، الأمر الذي قد يدفع نحو احتواء التصعيد ضمن حدود معينة.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في استمرار الوضع الراهن، عبر مواصلة الضربات المتبادلة والعمليات العسكرية المحدودة دون الوصول إلى حرب إقليمية شاملة أو إلى تسوية سياسية تنهي أسباب التوتر القائمة.
