الضفة الغربية تشتعل غضباً..

تصعيد الاستيطان و«قانون إعدام الأسرى» يدفعان نحو انتفاضة فلسطينية جديدة

/ تشهد الضفة الغربية المحتلة في المرحلة الحالية تصعيداً غير مسبوق على المستويات الأمنية والسياسية والميدانية، في ظل تزايد اعتداءات المستوطنين، وتوسّع حملات الاقتحام والاعتقال التي تنفذها قوات الاحتلال الصهيوني، بالتزامن مع شروع حكومة الاحتلال بتطبيق ما يُعرف بـ«قانون إعدام الأسرى». هذا المشهد لا يمكن التعامل معه بوصفه سلسلة أحداث منفصلة أو ردود فعل أمنية مؤقتة، بل يبدو جزءاً من استراتيجية صهيونية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية عبر فرض معادلات أكثر عنفاً وقسوة، قائمة على الردع الدموي، وتوسيع النفوذ الاستيطاني، وإضعاف أي إمكانية لوجود حالة استقرار سياسي أو اجتماعي فلسطيني.
فالضفة الغربية لم تعُد مجرد ساحة اشتباك محدودة أو منطقة توتر أمني، بل تحولت تدريجياً إلى مركز الصراع الرئيسي في فلسطين المحتلة، خصوصاً بعد العدوان على غزة والتوترات الإقليمية المتصاعدة. ومع وصول الحكومة الصهيونية الحالية، التي تُعد الأكثر تطرفاً في تاريخ الاحتلال، إلى قناعة بأنّ «الحسم الأمني» يجب أن يكون الخيار الأساسي، بدأت السياسات الصهيونية تتجه نحو مستويات أكثر خطورة، سواء عبر منح المستوطنين مساحة أكبر للتحرك والاعتداء، أو عبر تشريعات قانونية وعسكرية تسعى إلى شرعنة العنف بصورة رسمية.
تصاعد اعتداءات المستوطنين.. أداة لفرض السيطرة والتهجير
تعكس الاعتداءات المتصاعدة التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية تحولهم إلى جزء أساسي من أدوات المشروع الصهيوني لفرض السيطرة على الأرض الفلسطينية، بعدما باتوا يتحركون تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال. ففي بيت لحم، اقتحم مستوطنون مسلحون قرية أبو انجيم ونفذوا أعمال ترهيب واستفزاز لبث الخوف بين السكان، بينما شهدت بلدة سنجل في رام الله طقوساً تلمودية استفزازية قرب منازل الفلسطينيين بحماية عسكرية، في محاولة لترسيخ السيطرة الرمزية على الأرض. أمّا في الخليل، فقد تصاعدت الاعتداءات إلى مستوى أكثر خطورة بعد إحراق حظيرة أغنام وفرن طابون واستهداف منزل فلسطيني بزجاجات حارقة، ما أدى إلى إصابة صاحبه بحروق. وتكشف هذه الممارسات أنّ الاعتداءات لم تعُد أحداثاً فردية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى التضييق على الفلسطينيين ودفعهم نحو الرحيل القسري عن مناطقهم.
الاقتحامات العسكرية.. تكريس السيطرة بالقوة
بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين، كثّفت قوات الاحتلال عمليات الاقتحام والمداهمة في مختلف مناطق الضفة الغربية والقدس المحتلة. وشملت الحملة مدناً وقرى ومخيمات في مدينة القدس المحتلة ورام الله والخليل وجنين ونابلس وطولكرم، تخللتها اعتقالات وإغلاقات للطرق ومواجهات مع الفلسطينيين.
اللافت في هذه العمليات أنها أصبحت جزءاً من سياسة استنزاف يومية تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني وإبقائه في حالة ضغط دائم. فالاقتحامات الليلية، وإغلاق الطرق بالسواتر الترابية، والانتشار العسكري المكثف، كلها أدوات تستخدم لإنتاج واقع أمني خانق يجعل الحياة الطبيعية شبه مستحيلة.
وفي مدينة جنين، استهدفت المقاومة الفلسطينية آلية عسكرية بعبوة محلية الصنع خلال اقتحام بلدة اليامون، في مؤشر واضح على أنّ التصعيد الصهيوني يقابله تصاعد في عمليات المقاومة المسلحة داخل الضفة الغربية. وهذا يعكس فشل سياسة الاحتلال في تحقيق «الردع الكامل»، رغم اتساع العمليات العسكرية والاعتقالات.
كما أنّ استمرار الاقتحامات في مناطق مثل نابلس وجنين وطولكرم يشير إلى أنّ الاحتلال بات ينظر إلى الضفة الغربية باعتبارها جبهة مفتوحة، لا يمكن ضبطها إلا عبر الحضور العسكري الدائم، وهو ما يعمق حالة الاحتقان ويزيد احتمالات اندلاع الانتفاضة.
«قانون إعدام الأسرى».. تصعيد صهيوني نحو مزيد من القمع
يُمثل إعلان وزير الأمن الصهيوني يسرائيل كاتز بدء تطبيق «قانون إعدام الأسرى» تحولاً خطيراً في طبيعة التعامل الصهيوني مع الفلسطينيين، إذ يمنح المحاكم العسكرية صلاحية إصدار أحكام بالإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات ضد الصهاينة. ولا يُعد القانون مجرد إجراء قضائي، بل يعكس توجهاً سياسياً أكثر تطرفاً تتبناه حكومة نتنياهو، يقوم على الانتقام والعقاب الجماعي وتعزيز سياسة الردع بالقوة. كما يتيح إصدار أحكام الإعدام دون الحاجة إلى إجماع قضائي، ما يفتح الباب أمام استخدام العقوبة بشكلٍ واسع ضمن سياق سياسي وأمني. ويعكس تحديد مهلة لا تتجاوز 90 يوماً لتنفيذ الأحكام رغبة الاحتلال في تحويل الإعدام إلى أداة ردع سريعة تخدم الخطاب اليميني المتشدد داخل كيان الاحتلال. ويرى مراقبون أن القانون الجديد يشكل امتداداً لسياسات القمع والتنكيل التي يمارسها الاحتلال في الضفة، ويهدف إلى بث الخوف وكسر حالة المقاومة المتصاعدة، خاصةً في ظل التوتر الأمني المتزايد والعمليات الفدائية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الضفة الغربية.. بين التصعيد الصهيوني واحتمالات اندلاع انتفاضة جديدة
هذا وتتجه حكومة نتنياهو نحو تصعيد واسع في الضفة الغربية مدفوعة بأزمات داخلية متراكمة تشمل الانقسامات السياسية وتراجع الثقة الشعبية وتزايد التحديات الأمنية على أكثر من جبهة. وفي هذا السياق، تعتمد الحكومة سياسة «القبضة الحديدية» عبر تكثيف الاقتحامات والاعتقالات والتوسع الاستيطاني بهدف إعادة فرض الردع ومنع اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة. كما بات المستوطنون يشكلون ذراعاً ميدانياً للمشروع الصهيوني، بعد تحولهم من جماعات ضغط إلى جزء من المنظومة السياسية والأمنية، مستفيدين من الحماية العسكرية والدعم الحكومي خلال اعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم. وفي المقابل، تتزايد حالة الغضب داخل الشارع الفلسطيني مع استمرار القمع والاعتداءات، ما يُعزز احتمالات اندلاع انتفاضة جديدة في الضفة الغربية، خصوصاً مع تراجع ثقة الجيل الفلسطيني الجديد بالحلول السياسية التقليدية، واتجاهه نحو تصعيد المقاومة في مواجهة الاحتلال، الأمر الذي يثير قلقاً متزايداً داخل المؤسسة الأمنية الصهيوني.
ختاماً، يعكس التصعيد الصهيوني في الضفة الغربية، من توسع استيطاني واقتحامات واعتداءات وتشريعات قمعية، انتقال الاحتلال إلى مرحلة أكثر تطرفاً تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة وكسر إرادة الفلسطينيين وإضعاف حضورهم على الأرض. إلا أنّ التجارب السابقة أثبتت أن سياسات القمع والعقاب الجماعي لم تنجح في إنهاء المقاومة الفلسطينية، بل ساهمت دائماً في تصاعدها واتساعها، ما يجعل الضفة الغربية اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تشهد تنامياً أكبر في أعمال المقاومة والمواجهة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها.
البحث
الأرشيف التاريخي