تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
تداعيات عسكرة الذكاء الاصطناعي وتنافس القوى الكبرى عليه
من الثورة التكنولوجية إلى تحوّل طبيعة الحرب
غيّرت التحولات التكنولوجية، خلال العقود الأخيرة، طبيعة الحرب بصورة جذرية. فإذا كانت القوة العسكرية في القرن العشرين تُعرَّف بالأسلحة الثقيلة والقدرات الصناعية، فقد تحوّلت الخوارزميات والبيانات والمنظومات الذكية في القرن الحادي والعشرين إلى عناصر حاسمة.
تشير التحليلات المنشورة في معهد «سيبري» أن التنافس بين القوى الكبرى انتقل بصورة متزايدة إلى مجال الذكاء الاصطناعي العسكري. ولا يشمل هذا المسار تطوير الأسلحة ذاتية التشغيل فحسب، بل يشمل أيضاً دمج الذكاء الاصطناعي في جميع مستويات العمليات العسكرية، من تحديد الأهداف إلى اتخاذ القرارات التكتيكية. وتُظهر، في هذا السياق، تقارير مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية بشأن الحروب الأخيرة، ولا سيما في أوكرانيا، أن استخدام الخوارزميات في توجيه الطائرات المسيّرة وتحليل بيانات ميدان المعركة أصبح عنصراً أساسياً. وقد زاد هذا التحول سرعة العمليات ودقتها؛ لكنه في الوقت نفسه وسّع المسافة بين صاحب القرار وتداعيات قراره الإنسانية.
عسكرة الذكاء الاصطناعي؛ تهديد يتجاوز السلاح النووي
على خلاف الأسلحة النووية، التي حُدّ من استخدامها بسبب تداعياتها الكارثية، ينتشر الذكاء الاصطناعي العسكري بسرعة، ويواجه عوائق قانونية وأخلاقية أقل. فضلاً عن ذلك، تستطيع الأسلحة القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تعمل من دون رقابة بشرية مباشرة، وتخلق هذه الخاصية مخاطر جديدة.
يرى بعض الخبراء أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول إلى سلاح أخطر حتى من الأسلحة النووية. ولا يكمن سبب ذلك في قدرتها التدميرية، بل في قابلية استخدامها على نطاق واسع، وانخفاض كلفتها، وخفض عتبة اللجوء إليها. وتشير تقارير جامعة «ستانفورد» إلى تحديات تنظيم هذه التكنولوجيا، وتُظهر أن الفجوة بين تطوير التكنولوجيا وصياغة القواعد القانونية تتسع بسرعة، وتُفاقم هذه الفجوة خطر الاستخدام المنفلت للذكاء الاصطناعي في الحرب.
من ميدان الاختبار إلى الكارثة الإنسانية
يمكن أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، حين يقترن ببيانات ناقصة أو بانحيازات خوارزمية، إلى تداعيات كارثية. وقد نُشرت تقارير عن استخدام منظومات قائمة على الذكاء الاصطناعي في التشخيص والاستهداف خلال العدوان الأميركي - الصهيوني على إيران، بما يؤكد أن اتخاذ القرار أحيل في بعض الحالات إلى الخوارزميات.
ويُعدّ الهجوم الذي أدى إلى استشهاد 168 تلميذة في مدرسة «شجرة طيبة» في مدينة ميناب (جنوب إيران)، واحدة من أكثر نماذج هذا المسار مرارة. وتُظهر هذه الفاجعة كيف يمكن أن يؤدي الاعتماد على المنظومات الذاتية، من دون رقابة بشرية كافية، إلى أخطاء قاتلة.
وفي مثل هذه الظروف، يبرز السؤال الأساسي: على مَن تقع مسؤولية هذه الأخطاء؟ هل يمكن تحميل الخوارزمية المسؤولية، أم يجب إسناد هذه المسؤولية إلى مصمميها ومستخدميها؟ ويُعدّ هذا السؤال أحد التحديات الجوهرية للقانون الدولي في عصر الذكاء الاصطناعي.
تآكل الأخلاق في الحرب؛ من القرار الإنساني إلى القرار الآلي
يُعدّ التآكل التدريجي للأخلاق في الحرب أحد التداعيات العميقة لعسكرة الذكاء الاصطناعي. ففي الحروب التقليدية، كان اتخاذ القرار بشأن استخدام القوة، رغم الضغوط، يتم في النهاية على يد البشر. وكان هذا الأمر يضمن حداً أدنى من المسؤولية الأخلاقية.
غير أن دخول الذكاء الاصطناعي أخلّ بهذه العلاقة. إذ تعمل الخوارزميات بناءً على بيانات وأنماط محددة سلفاً، وتفتقر إلى الفهم الإنساني لمفاهيم مثل الألم والكرامة والتناسب. وتزيد هذه الخاصية خطر تحويل الحرب إلى عملية تقنية بحتة وخالية من الاعتبارات الإنسانية.
وقد يؤدي تطوير التقنيات الحديثة، من دون مراعاة حقوق الإنسان، إلى انتهاك واسع لهذه الحقوق. ويزداد هذا الخطر في المجال العسكري بدرجة أكبر بكثير، لأن القرارات المتخذة ترتبط مباشرة بحياة البشر.
في مثل هذا الفضاء، يصبح مفهوم المسؤولية غامضاً أيضاً. فعندما تنفذ منظومة ذاتية هجوماً ما، يتحول تحديد الجهة التي يجب أن تُحاسَب إلى تحدٍّ معقد. وقد يؤدي هذا الوضع إلى نوع من اللامسؤولية البنيوية، حيث لا يكون أي طرف مسؤولاً بالكامل.
تحوّلت حرب المستقبل، أكثر من أي وقت مضى، إلى ساحة تتشابك فيها التكنولوجيا والقوة العسكرية بصورة كاملة. ولم يغيّر الذكاء الاصطناعي، بوصفه إحدى أهم هذه التقنيات، أساليب القتال فحسب، بل وضع أيضاً مفاهيم أساسية مثل المسؤولية والأخلاق والمشروعية أمام تحديات جدية.
وتُظهر التجارب الأخيرة، ومنها جريمة مدرسة ميناب، أن الاستخدام المنفلت لهذه التقنيات يمكن أن يخلّف تداعيات إنسانية كارثية. وفي مثل هذه الظروف، تزداد الحاجة إلى صياغة قواعد قانونية وأخلاقية جديدة أكثر من أي وقت مضى. ومع ذلك، تُظهر حقيقة النظام الدولي أن التنافس على التفوق التكنولوجي قد يطغى على هذه الاعتبارات. وبناءً على ذلك، ربما يتشكل مستقبل الحرب بالخوارزميات ومنطق القوة أكثر مما سيتحدد بالمبادئ الأخلاقية.
