تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
حين يلتقي التراث بالسياحة العالمية
كاشان تحتفي باليوم الوطني للورد المحمدي
مع حلول شهر مايو، تتحول مدينة كاشان إلى واحدة من أكثر الوجهات السياحية سحراً وجاذبية، حيث تتفتح أزهار الورد المحمدي وتملأ الأجواء بعطرها الفوّاح، في مشهد طبيعي استثنائي يجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
تقع كاشان شمال محافظة أصفهان، وتُعد من المدن التاريخية العريقة التي تمتد جذورها إلى آلاف السنين، وتضم معالم بارزة مثل تلال سيلك الأثرية وحديقة فين الشهيرة، إلا أن شهرتها العالمية اليوم ترتبط بشكل وثيق بموسم الورد ومراسم استخراج ماء الورد، التي تحولت إلى تقليد سنوي يجمع بين التراث والاقتصاد والسياحة.
موسم استثنائي.. حين تزهر الصحراء
على الرغم من وقوع كاشان على تخوم الصحراء الإيرانية، فإنها تتحول في هذا الوقت من العام إلى واحة مزهرة، تمتد فيها بساتين الورد المحمدي على مدّ البصر، خصوصاً في مناطق مثل قمصر ونياسر والقرى الجبلية المحيطة. وتُعرف هذه الفترة محلياً باسم «موسم ماء الورد»، حيث تبلغ الطبيعة ذروة عطائها، ويغدو المكان أشبه بلوحة نابضة بالألوان والروائح. يبدأ يوم العمل في حقول الورد قبل شروق الشمس، حيث يتوجه المزارعون إلى الحقول في ساعات الفجر الأولى لقطف الأزهار وهي لا تزال محتفظة بنداها وعطرها المركز. ويؤكد الأهالي أن حرارة الشمس تؤثر سلباً على جودة الورد، لذلك تُعد هذه الساعات الذهبية الأنسب لجني المحصول. تُجمع الأزهار بعناية في سلال تقليدية، ثم تُنقل مباشرة إلى ورش ومصانع التقطير المنتشرة في المنطقة، حيث تبدأ المرحلة الأهم في رحلة تحويل الورد إلى ماء عطري نقي.
التقطير التقليدي.. إرث يعود لابن سينا
تعتمد عملية استخراج ماء الورد في كاشان على تقنيات تقليدية توارثتها الأجيال، ويُنسب أصلها إلى العالم الإيراني الشهير ابن سينا، الذي وضع أسس التقطير. وتبدأ العملية بوضع كميات محددة من أزهار الورد داخل أوانٍ نحاسية كبيرة، يُضاف إليها الماء، ثم تُوضع على نار الحطب. ومع ارتفاع درجة الحرارة، يتصاعد البخار المحمّل بزيوت الورد العطرية، ليُجمع عبر أنابيب تبريد تقليدية ويتحول إلى سائل يُعرف بماء الورد. وتُعد هذه الطريقة من أدق وأقدم طرق الاستخلاص الطبيعي، ما يمنح المنتج النهائي نقاءً وجودة عالية. خلال عملية التقطير، تتكوّن طبقة رقيقة جداً من الزيت على سطح السائل، وهي ما تُعرف بزيت الورد، وتُعد من أغلى المنتجات الطبيعية في العالم نظراً لندرتها، إذ تتطلب كميات كبيرة من الأزهار لإنتاج كمية صغيرة منه.
قمصر.. عاصمة ماء الورد
تُعد منطقة قمصر القلب النابض لصناعة ماء الورد في كاشان، حيث تشهد سنوياً تدفق مئات الآلاف من الزوار خلال موسم يمتد من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. وتتميز قمصر بطبيعتها الجبلية ومناخها المعتدل، ما يجعل وردها أكثر كثافة وعطراً مقارنة بالمناطق الأخرى. كما تشارك مناطق مثل نياسر ووادقان في هذا النشاط، حيث تختلف مواعيد الإزهار تبعاً للارتفاع الجغرافي، لكن الجودة تبقى عالية في جميعها.
من كاشان إلى الكعبة
يحظى ماء الورد المنتج في كاشان بمكانة خاصة، إذ يُستخدم في تعطير الأماكن المقدسة، ويُرسل سنوياً إلى الكعبة المشرفة للمشاركة في مراسم غسلها، في تقليد يعكس القيمة الروحية والثقافية لهذا المنتج، وفي كل عام تَرسل قمصر ماء وردها الى الكعبة المشرفة لتغسل به في التاسع من ذي الحجة، حيث يتم غسل جدار الکعبة بأفخر أنواع عطر الورد والعود والمسك بالقماش الأبیض، ثم یسکب ماء زمزم مخلوطا بماء الورد في أرضیة الکعبة ویتم کنسها ومسحها بالید.
سياحة تنبض بالحياة
لم تعد مراسم استخراج ماء الورد مجرد نشاط زراعي، بل أصبحت مهرجاناً سياحياً متكاملاً، يجذب ما يقارب مليوني زائر سنوياً. ويتيح هذا الموسم للزوار فرصة مشاهدة مراحل الإنتاج عن قرب، والتجول في بساتين الورد، والتعرف على نمط الحياة التقليدي لسكان المنطقة.
