عندما تتحوّل الجامعات إلى أهداف حرب.. إنهيار الخطوط الحمراء
كامران يكانكي
أستاذ جامعي
إنّ استهداف المؤسسات التعليمية والجامعات لم يعد احتمالًا أو مجرد تحذير، بل تحوّل إلى واقعٍ مرير في النزاعات المعاصرة. وفي ظل تعرض الجامعات للهجمات، يبرز سؤال جوهري: هل لا تزال هناك خطوط حمراء في النظام الدولي لحماية المؤسسات المعرفية، أم أن هذه الحدود هي الأخرى آخذة في الانهيار؟
الجامعة هي مركز إنتاج المعرفة، وتنمية رأس المال البشري، وتشكيل التفكير النقدي. وهذه المؤسسة، بطبيعتها، تقف على النقيض من منطق الحرب. إن إدخال العنف إلى الفضاء الجامعي لا يُعدّ مجرد اعتداء مادي، بل هو إخلال بأسس العقلانية الاجتماعية. وعندما تُستهدف الجامعة، فإن أحد أهم ركائز التنمية والتقدم يتعرض مباشرة للتهديد.
التجربة التاريخية لإيران.. جراح باقية في جسد المعرفة
خلال الحرب الصدّامية المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية -التي استمرت ثماني سنوات- تعرّضت بعض البنى التحتية غير العسكرية، بما في ذلك المراكز التعليمية، لهجمات. وقد أظهرت هذه التجربة أنه، في الواقع، لم تكن حتى هذه المؤسسات بمنأى عن أضرار الحرب، رغم التأكيد المعياري الدائم على التمييز بين الأهداف العسكرية والمؤسسات التعليمية والعلمية.
وعلى مستوى تاريخي أقدم، تُعدّ هجمات المغول على إيران مثالًا على التدمير الواسع للمراكز العلمية والمكتبات، وهو ما أدى إلى ضياع جزء كبير من التراث المعرفي. ويُظهر هذا الحدث أن استهداف المؤسسات التعليمية لا يعني مجرد تدمير مادي، بل إحداث انقطاع عميق في الاستمرارية الحضارية.
القانون الدولي وحصانة المؤسسات التعليمية
في إطار القانون الدولي، يُعدّ مبدأ «التمييز» بين الأهداف العسكرية وغير العسكرية أحد القواعد الأساسية. وبناءً عليه، فإن المؤسسات التعليمية والجامعات -ما لم تُستخدم في عمليات عسكرية مباشرة- تُصنّف ضمن الأعيان المدنية وتتمتع بالحماية. ومع ذلك، فإن استهداف الجامعات، كما حدث مؤخرًا، يُعدّ انتهاكًا واضحًا لهذا المبدأ ويتعارض مع الالتزامات الدولية للدول، والمنظمات التي تدعو بشكل مستمر إلى ضرورة حماية البنى التحتية التعليمية.
إدانة صريحة.. مسؤولية العدو الصهيو-امريكي
في ضوء الهجمات التي طالت الجامعات، فإن هذه الاعتداءات -التي نفّذت من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني- يجب إدانتها بشكل صريح وحازم ودون لبس.
إنّ استهداف المؤسسات التعليمية يُعدّ انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني وتجاوزًا لأبسط المعايير الإنسانية في الحروب. ويكتسب هذا الفعل دلالة أخطر عندما يصدر عن أطراف تُعرّف نفسها كمدافعة عن نظام قائم على القانون، ما يعكس تناقضًا بين الخطاب والممارسة، ويساهم في تقويض الثقة بالنظام الدولي. وعلى الأعداء أن يتحملوا ما قاموا به تجاه هذه الهجمات على الجامعات والمؤسسات التعليمية في إيران.
خاتمة
من منظور أكاديمي وفي إطار الدبلوماسية، فإن استهداف المؤسسات التعليمية والجامعية يُعدّ إنذارًا خطيرًا للنظام الدولي. ويكشف هذا الواقع عن الحاجة إلى تعزيز القواعد القائمة، وإعادة تعريفها، وتوفير آليات تنفيذ أكثر فاعلية لحماية البنى المدنية.
وفي هذا السياق، ينبغي إدراج «حصانة التعليم والبحث العلمي» كأولوية في أجندة الدبلوماسية متعددة الأطراف والمؤسسات الدولية. كما يتعين على المجتمع الأكاديمي أن يلعب دورًا فاعلًا في المطالبة وبناء إجماع عالمي لمنع تكرار مثل هذه الأحداث.
وفي النهاية، لا مفرّ أمام دبلوماسية المستقبل من الاعتراف بحماية الجامعات والتعليم كخط أحمر غير قابل للتجاوز في النظام الدولي.
