قراءة في رسالة الرئيس بزشكيان إلى الرأي العام العالمي

لا يمكن اعتبار الرسالة الأخيرة للرئيس مسعود بزشكيان الموجّهة إلى الشعب الأمريكي مجرد إجراء تواصلي أو دبلوماسي فحسب. فقد تشكّلت هذه الرسالة في سياقٍ تُخيّم فيه ظلال الحرب، وكذلك التواطؤ العسكري الأمريكي مع الكيان الصهيوني في العدوان على إيران، على أجواء المنطقة والرأي العام العالمي.
في مثل هذا المناخ، ينبغي فهم رسالة الرئيس بزشكيان بوصفها محاولة واعية للتشكيك في منطق هذه «الحرب المختارة»، وإعادة الصوت إلى ساحةٍ باتت، أكثر من أي وقت مضى، خاضعة لهيمنة السلاح والروايات القائمة على العنف.
هذه الرسالة، قبل كل شيء، هي «لا» واضحة للحرب والعدوان. غير أن هذه الـ«لا» لا تصدر من موقع ضعف، بل من موقع إدراك عميق للتكاليف الإنسانية والتاريخية للصراعات والاعتداءات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
في عالمٍ غالبًا ما تُتخذ فيه قرارات العدوان وبدء الحروب على مستوى الحكومات، بينما تُفرض تبعاتها مباشرة على حياة الناس العاديين، فإن توجيه الرئيس بزشكيان خطابه إلى الشعب الأمريكي يُعدّ محاولة لتفعيل قوة يمكنها إيقاف استمرار دورة العنف والعدوان، وهي الرأي العام في الولايات المتحدة والعالم.
في ظل الظروف التي أدّت فيها أشكال الدعم السياسي والعسكري الأمريكي لإسرائيل، والمرافقة الشاملة لها في العدوان على إيران، إلى تصاعد التوترات واتساع نطاق الأزمة، يبرز خطر أن يتجاوز هذا الصراع المفروض على إيران مستوى الحكومات، ليتحول إلى فجوة عميقة بين الشعوب.
إنّ رسالة الرئيس بزشكيان تقف تحديدًا في مواجهة نشوء مثل هذا الوضع، وهو وضع لم تسعَ إليه إيران. وتسعى هذه الرسالة إلى التذكير بأنّ الشعب الأمريكي هو أيضًا من ضحايا السياسات التي تدفع نحو «حرب مختارة» قد تقود العالم إلى مزيد من عدم الاستقرار.
من جهة أخرى، تحمل هذه الرسالة دعوة صريحة؛ لكنها ذكية: دعوة الشعب الأمريكي إلى إعادة التفكير في علاقته بسياسات الحرب التي ينتهجها صانعو القرار في بلاده. كما تُطرح هذه الدعوة في إطار مسؤولية إنسانية مشتركة: كيف يمكن من داخل المجتمع الأمريكي تشكيل صوتٍ في مواجهة الحرب، ودفع السياسة والحكومة نحو السلام؟ وهنا تتحول الدبلوماسية إلى فعلٍ اجتماعي.
في التحليل النهائي، يمكن القول إنّ هذه الرسالة تمثل محاولة لتغيير ميدان اللعبة: من ساحة الحرب إلى ساحة الحوار، ومن مخاطبة حكومة إلى مخاطبة شعب. وفي وقتٍ يسير فيه العديد من الفاعلين الدوليين -عن قصد أو عن غير قصد- في اتجاه تصعيد التوتر، يمكن لمثل هذه المبادرات أن تؤدي دور «كابح» أخلاقي وإنساني.
إنّ الحرب المفروضة ليست مجرد حدث عسكري فحسب؛ بل هي تآكل تدريجي للإنسانية. أمّا السلام، فليس مجرد غياب الحرب، بل هو الحضور الفاعل للحوار والفهم والتعاطف.
هذه الرسالة ليست موجهة فقط إلى الشعب الأمريكي، بل إلى كل الضمائر الحية في العالم؛ دعوة للوقوف في وجه حرب مفروضة ولا إنسانية.

البحث
الأرشيف التاريخي