بنك الأهداف الخوارزمي.. حين تصنع البيانات قرار الحرب
ريما فارس
في عالم اليوم، لم تعدّ الحروب تُدار بالجنود فقط أو بالأسلحة التقليدية، بل بالبيانات والتحليل والقدرة على تحويل كل معلومة إلى قوة مباشرة. ما كان يُعتبر سابقًا مجرد أرشيف استخباراتي أصبح اليوم نظامًا حيًا، ديناميكيًا، يعرف كل هدف قبل أن يظهر ويصنع قوته من المعلومات التي تنتجها البيئة نفسها. في الماضي، كان الرصد يقوم على التنصّت وجمع المعلومات وتحليلها ثم رفعها لتقرير القرار، أما اليوم فقد انتقلت العملية إلى مستوى جديد، حيث كل تفاعل رقمي، كل منشور، كل صورة أو موقع جغرافي، وحتى الرموز الثقافية والاهتمامات تُحوّل إلى نقاط بيانات تغذي نموذجًا احتماليًا يحدد تأثير الأفراد والمجتمعات على البيئة المحيطة. الهدف لم يعد شخصًا أو موقعًا محددًا، بل شبكة من العلاقات والأنماط يمكن استغلالها واستشرافها قبل وقوع الحدث.
بنك الأهداف لم يعد أرشيفًا يُفتح عند الحاجة، بل أصبح منظومة حية تُعاد ترتيب أولوياته باستمرار وفق تقييمات دقيقة. كل مستخدم في العالم الرقمي يترك أثرًا مستمرًا من البيانات، وهذا الأثر ليس تفصيلًا عابرًا، بل مادة خام لبناء الخرائط الاستخبارية، حيث كل منشور، كل صورة، وكل تفاعل على المنصات الاجتماعية يُحوّل إلى مؤشر ضمن شبكة أكبر، لتصبح البيئة الرقمية مختبرًا دائمًا لتحديد الأولويات والاستهداف.
في الحروب الحديثة، الفرق بين السيطرة والفشل يُقاس بالسرعة، ودمج مصادر البيانات المختلفة من الأقمار الصناعية، الصور الجوية، التنصّت الرقمي، والشبكات الاجتماعية يولّد خريطة عملياتية حيّة للواقع الحالي، بحيث يمكن التحرك قبل أن تتضح الصورة للخصم. القرار أصبح مرتبطًا مباشرة بخوارزميات تحليل البيانات، والإنسان لم يعد يبدأ العملية بل يصدّق على توصياتها الأخيرة، والزمن أصبح ساحة مواجهة بحد ذاته، والسرعة والدقة هما الأسلحة الحقيقية.
النظام لا يكتفي بما حدث، بل يحاول التنبؤ بما قد يحدث، فقراءة الأنماط السلوكية، رصد المزاج العام، تقييم التحولات في الشبكات الاجتماعية، كلها تدخل في نموذج احتمالي يسمح بالاستباق واتخاذ قرارات قبل وقوع الأحداث، لتصبح البيئة الرقمية ساحة صراع، حيث كل منشور، كل صورة، وكل تفاعل يمكن أن يتحوّل إلى مادة خام لتشكيل القرار الاستراتيجي.
التحوّل الأهمّ يكمن في إدراك أن الحرب الحديثة ليست فقط على الأرض أو في الجو، بل في البيانات نفسها، والقدرة على دمج مصادر متعددة وإنتاج صورة متكاملة للواقع تُختصر المسافة الزمنية بين المعطى والقرار إلى حدّها الأدنى. التفوق لم يعد بعدد الطائرات أو الجنود، بل بدقة التحليل وسرعة المعالجة الرقمية، وكل خطوة في بنك الأهداف تُحسب وفق مؤشرات خطورة وتأثير لتصبح أداة لصنع واقع قبل أن يتحرك الواقع نفسه.
جزء كبير من العمل أصبح آليًا: فرز البيانات، الربط بين المعلومات، إصدار إنذارات مبكرة، وتحديد أولويات الاستهداف. العنصر البشري لم يُلغَ؛ لكنه انتقل إلى مصادقة القرارات التي تولّدها الخوارزميات.
هذا التحوّل يغيّر طبيعة الحرب نفسها: لم تعد تبدأ بإطلاق النار، بل بإدخال البيانات، وتُدار بخوارزميات، وينتهي قرارها بلمسة بشرية أخيرة. بنك الأهداف اليوم هو نموذج للعقل الرقمي للحرب الحديثة، نظام حي، ديناميكي، يتغذّى بالمعطيات اللحظية ويحوّل كل معلومة إلى قوة مباشرة، حيث الفضاء الرقمي جزء من ساحة المعركة، والزمن مقياس القوة، والبيانات هي السلاح الأقوى، والقدرة على فهم وتحليل كل تفاعل هي الفارق بين السيطرة والفشل في أي مواجهة معاصرة.
