من الولاية إلى الردع.. حين تتحوّل الكلمة إلى معادلة وجود
ليست كلمة الشيخ نعيم قاسم مجرّد خطاب تضامني مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا هي بيان تعبوي عابر في لحظة توتر إقليمي، بل يمكن اعتبارها نصًا تأسيسيًا يعيد تعريف معنى السياسة في زمن الصراع المفتوح، ويؤسس لمنطق جديد في فهم العلاقة بين العقيدة والقرار، وبين الإيمان والردع، وبين الفكرة والسلاح.
منذ الجملة الأولى التي حدّد فيها موقع الإمام الخامنئي بقوله: "هو وليّ أمرنا، هو قائدنا، وهو الذي يشرّع حقيقة مواقفنا فيما يتعلّق بالتحديات والمسؤولية الشرعية"، يضع الشيخ نعيم السياسة خارج إطار البراغماتية التقليدية، وينقلها إلى مستوى فلسفي أعلى: مستوى المعنى والشرعية والغاية. هنا، لا تعود المقاومة مجرّد تنظيم مسلّح، بل تتحوّل إلى كيان يرى نفسه امتدادًا لمسيرة تاريخية تبدأ بالنبوة، تمرّ بالإمامة، وتستمر في زمن الغيبة عبر الولاية.
بهذا المعنى، يصبح القرار السياسي فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون تكتيكًا عسكريًا. وهذه الرؤية تفسّر لماذا اعتبر الشيخ نعيم أن التهديد باغتيال الإمام الخامنئي ليس استهدافًا لشخص، بل زلزالًا وجوديًا: "عندما يهدد ترامب أو غيره القائد بالقتل، يعني أنه يهدد ملايين، بل عشرات الملايين.. وهذا أمر لا يمكن السكوت عنه".
فلسفيًا، هذا الموقف يعكس فهمًا خاصًا للقيادة: القائد ليس جسدًا، بل رمز لمعنى، والاعتداء على الرمز هو اعتداء على الفكرة، والفكرة هنا هي أساس هوية محور كامل. لذلك يصبح الردّ ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة خطاب الشيخ نعيم بمعزل عن الأدبيات العالمية التي تناولت مفهوم الردع بوصفه مسألة إدراك وإرادة قبل أن يكون مسألة ترسانة وسلاح.
من فلسفة الردع إلى منطق البقاء.. حين يلتقي الفكر بالميدان
ما يطرحه الشيخ نعيم قاسم ينسجم بعمق مع ما قدّمه منظّرو الردع في الفكر الاستراتيجي الحديث. توماس شيلينغ، في كتابه الشهير The Strategy of Conflict، يبين أن الردع الحقيقي لا يقوم فقط على حجم القوة، بل على إقناع الخصم بأن الطرف الآخر يرى الصراع كمسألة مصير لا كمجرد نزاع مصالح. وهذا بالضبط ما تعكسه مقولة الشيخ: "دماؤنا لا نستطيع أن نصرفها، ومقاومتنا لا نستطيع أن نقوم بها من دون إذن شرعي"، إذ تتحول المواجهة إلى التزام أخلاقي - وجودي لا إلى صفقة سياسية.
كما تشير دراسات RAND Corporation وInternational Institute for Strategic Studies (IISS) إلى أن أي حرب كبرى على إيران ستأخذ طابعًا إقليميًا متعدد الجبهات، لأن شبكة الحلفاء المرتبطة بطهران ليست تحالفات تكتيكية عابرة، بل منظومات ردع مترابطة. وهذا يضع خطاب الشيخ نعيم في سياق مدرسة واقعية متقدمة ترى أن الدفاع عن المركز هو دفاع عن الأطراف، والدفاع عن الأطراف هو دفاع عن المركز، في حلقة بقاء واحدة لا يمكن تفكيكها.
ويفسّر هذا الإطار النظري لماذا انتقل الشيخ نعيم من التنظير العقائدي إلى كشف الحسابات العملية للخصم، كاشفًا ما يدور في كواليس القرار الأميركي - الصهيوني.
من وهم التجزئة إلى وحدة المصير
هنا يبلغ الخطاب ذروة صراحته السياسية حين يقول: إن "الصهاينة وأمريكا يفكرون، هل ضرب حزب الله أولًا ثم إيران أفضل؟ أم ضرب إيران أولًا ثم حزب الله أفضل؟ أم ضرب الإثنين معًا؟" هذه العبارة تختصر عقلية الخصم: عقلية تبحث عن تفكيك المعركة إلى أجزاء قابلة للإدارة، على قاعدة أن إسقاط أحد أعمدة المحور سيُضعف البقية تلقائيًا. إنّه منطق التجزئة الاستعمارية الكلاسيكي: اضرب الأطراف منفردة لتجنب مواجهة الكتلة كاملة؛ ولكن ردّ الشيخ يأتي كقلبٍ للمعادلة: "أمام العدوان الذي لا يفرّق بيننا، نحن معنيون بما يجري ومستهدفون بالعدوان المحتمل، ومصمّمون على الدفاع؛ لكننا لسنا حياديين".
فلسفيًا، هذا إعلان إنتقال من منطق تعدد الساحات إلى منطق وحدة المصير. أي أن السؤال لم يعد: متى نتدخل؟ بل: كيف نحمي وجودنا الجماعي عندما يُستهدف أحد أركانه؟ والطلب الأميركي - الصهيوني بالحصول على تعهّد بعدم التدخل ليس دليل قوة، بل دليل قلق. إنّه اعتراف ضمني بأن حزب الله يمتلك قدرة حقيقية على قلب مسار أي حرب تُشنّ على إيران عبر فتح جبهة ضاغطة تغيّر ميزان الكلفة والعائد. بمعنى أدق: هم لا يخشون فقط صواريخ الحزب، بل يخشون فلسفة الحزب؛ الفلسفة التي ترى أن خسارة إيران تعني خسارة شروط البقاء لكل محور المقاومة، وأن الدفاع عنها يتحول تلقائيًا إلى دفاع عن الذات. وهنا تتكامل الكلمة مع جوهر المقال: حزب الله لا يقدّم نفسه كفاعل ينتظر التعليمات، ولا كطرف متهوّر يسارع إلى الإشتعال، بل كقوة واعية تمسك بخيارات متعددة ضمن بوصلة واحدة: بوصلة الكرامة والوجود.
بين الحياد والمصير.. سقوط وهم المنطقة الرمادية
في واحدة من أهمّ فقرات الخطاب، يقرّ الشيخ نعيم بأن الحزب أمام احتمالات متعددة: تدخل أو عدم تدخل، تصعيد أو ضبط إيقاع؛ لكنه يحسم جوهر المسألة بقوله: "لكننا لسنا حياديين". هذه العبارة القصيرة تُسقط فكرة المنطقة الرمادية التي تحاول بعض القوى تسويقها. فالحياد في صراع يُعاد فيه رسم خرائط المنطقة ليس موقفًا أخلاقيًا ولا واقعيًا، بل شكل من أشكال الانتحار البطيء. فالخطاب هنا يلامس جوهر الفلسفة السياسية الواقعية: عندما تكون المواجهة على مستوى الوجود، يصبح عدم الانخراط نوعًا من الانخراط لصالح العدو.
الدفاع بوصفه فعل كرامة لا معادلة أرقام
إذا كان الحياد وهمًا، فإن معيار القوة نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف. وهنا يذهب الشيخ نعيم أبعد من الحسابات العسكرية البحتة حين يقول: مَن قال إن الدفاع يقتصر على التكافؤ بالقوة؟ أصلًا الدفاع يكون عندما لا يوجد تكافؤ. هذه الجملة تختصر فلسفة المقاومة منذ نشأتها. فالقيمة ليست في موازين السلاح، بل في إرادة كسر المشروع المقابل. والدفاع هنا ليس محاولة انتصار تقني، بل فعل رفض تاريخي للخضوع. وهو منطق يلتقي مع مقولة الإمام الحسين(ع): "موت في عزّ خير من حياة في ذلّ".
إيران.. الظهير الذي لا يُستغنى عنه
بهذا الفهم الجديد للقوة والدفاع، تتقدّم إيران في الخطاب لا كحليف عادي، بل كركيزة وجودية. حين يقول الشيخ نعيم: "إيران ساعدتنا 42 أو 43 سنة ولا زالت في مشروعية تحرير الأرض"، فهو يرسم معادلة استراتيجية واضحة: بقاء محور المقاومة مرتبط ببقاء مركزه. ومن هنا، يصبح الدفاع عن إيران دفاعًا عن خطوط الإمداد، وعن ميزان الردع، وعن قدرة الحزب نفسه على الاستمرار داخل المعادلة اللبنانية.
من الكلمة إلى المعادلة
خطاب الشيخ نعيم قاسم يقدّم نموذجًا نادرًا في السياسة المعاصرة: خطاب لا يفصل بين الإيمان والاستراتيجية، ولا بين الفكرة والسلاح. إنه يقول للخصوم بوضوح: أي حرب على إيران لن تبقى محصورة، وأي رهان على تفكيك المحور بالتجزئة هو رهان خاسر.
وفي العمق، يقدّم لجمهور المقاومة معنى أعمق للثبات: أن تكون مع الحق حتى لو كنت وحدك، وأن تختار الكرامة حتى لو كان ثمنها عاليًا. هكذا تتحوّل الكلمة إلى معادلة، ويتحوّل الخطاب إلى جزء من الردع، ويصبح حزب الله -وفق هذه الرؤية - ليس مجرد لاعب لبناني، بل ركنًا في معركة مصير إقليمية عنوانها الأكبر: "هيهات منّا الذلّة".
