دولة قوية من الخارج متصدعة من الداخل
الغضب يجتاح أمريكا.. ومينيابوليس تطلق إنذار الانهيار
/ لم تكن حادثة مقتل أليكس جيفري بريتي في مينيابوليس مجرد واقعة أمنية عابرة، ولا حتى حلقة جديدة في سلسلة العنف التي تشهدها الولايات المتحدة منذ سنوات. لقد جاءت هذه الحادثة في لحظة تاريخية حساسة، حيث يقف الداخل الأميركي على حافة أزمة مركّبة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والعرق بالأمن، والسلطة الفيدرالية بسيادة الولايات، ما يجعل كل حادثة عنف تتحول إلى مرآة تعكس هشاشة البُنية الداخلية للدولة. إن المشاهد التي خرجت من مينيابوليس، والتي وثّقت إطلاق النار على مواطن أعزل كان يحمل هاتفه، لم تُقرأ فقط باعتبارها تجاوزًا أمنيًا، بل باعتبارها علامة إضافية على الانهيار البطيء في منظومة الحكم الأميركية، وعلى تفكك العقد الاجتماعي الذي كان يُفترض أنه يجمع المواطنين بالدولة.
فالأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة اليوم ليست أزمة أمنية فحسب، بل هي أزمة ثقة شاملة تضرب كل المؤسسات: من الشرطة إلى القضاء، ومن الكونغرس إلى البيت الأبيض، ومن الإعلام إلى الشارع. وفي ظل هذا التآكل المتسارع، تصبح كل رصاصة تطلقها قوة اتحادية في مدينة مثل مينيابوليس حدثًا سياسيًا بامتياز، يفتح الباب أمام أسئلة كبرى حول مستقبل الدولة الفيدرالية، وحول قدرة النظام الأميركي على الاستمرار في إدارة بلد يعيش انقسامًا غير مسبوق منذ الحرب الأهلية.
إن مينيابوليس، التي كانت قبل سنوات عنوانًا لاحتجاجات عالمية بعد مقتل جورج فلويد، تعود اليوم إلى الواجهة، ليس لأنها مدينة مضطربة فحسب، بل لأنها أصبحت نقطة التقاء لكل التوترات الأميركية: العرقية، والسياسية، والأمنية، والاجتماعية. وما جرى فيها مؤخرًا يكشف أن الولايات المتحدة لم تتجاوز أزماتها السابقة، بل تراكمت فوقها أزمات جديدة، حتى باتت البلاد تعيش حالة من الغليان الداخلي الذي يرى فيه كثير من الباحثين مؤشرًا على مرحلة «ما قبل الانهيار».
العنف الفيدرالي كمرآة للانقسام الوطني
إن الطريقة التي قُتل بها بريتي، تعكس بوضوح حجم التوتر بين الولايات والحكومة الفيدرالية. فوجود آلاف الضباط الفدراليين في شوارع مينيسوتا، رغم اعتراض السلطات المحلية، يُعيد طرح سؤال جوهري حول حدود السلطة في النظام الأميركي. هذا الصراع ليس جديدًا، لكنه اليوم أكثر حدّة، لأن الولايات المتحدة تعيش حالة استقطاب سياسي غير مسبوقة، إذ لم يعُد الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين مجرد تنافس انتخابي، بل صراعًا على تعريف الدولة نفسها: من يملك القرار؟ من يحدد الأمن؟ من يضع القوانين؟ ومن يملك الحق في استخدام القوة؟
في هذا السياق، تصبح حادثة مينيابوليس جزءًا من مشهد أكبر، إذ يرى كثير من الأميركيين أن الحكومة الفيدرالية تستخدم القوة بطريقة مفرطة، وأنها تتدخل في شؤون الولايات بطريقة تهدد مبدأ الفيدرالية ذاته. وهكذا، يتحول العنف الأمني إلى رمز لانهيار الثقة بين المواطن والدولة، وإلى دليل إضافي على أن النظام الأميركي لم يعد قادرًا على إدارة التوترات الداخلية بوسائل سياسية أو قانونية، بل يلجأ إلى القوة كخيار أول.
أزمة الثقة.. الشرخ الذي يبتلع الدولة من الداخل
إن أخطر ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم ليس العنف بحد ذاته، بل فقدان الثقة. فالمواطن الأميركي لم يعد يثق بالشرطة، ولا بالقضاء، ولا بالإعلام، ولا بالكونغرس، ولا حتى بالعملية الانتخابية. هذا الانهيار في الثقة هو ما يجعل كل حادثة عنف تتحول إلى انفجار اجتماعي، لأن الناس لم يعودوا يصدقون الرواية الرسمية، ولا يثقون بأن التحقيقات ستكون نزيهة، ولا يعتقدون أن العدالة ستتحقق.
وحين تفقد دولة ما ثقة مواطنيها، تبدأ بالانهيار من الداخل، حتى لو كانت أقوى دولة في العالم. فالقوة العسكرية والاقتصادية لا تكفي للحفاظ على تماسك المجتمع إذا انهار العقد الاجتماعي. وهذا ما يراه كثير من الباحثين اليوم في الولايات المتحدة: دولة قوية من الخارج، لكنها متصدعة من الداخل، تعيش حالة من الانقسام العميق الذي يجعلها عاجزة عن التعامل مع أزماتها المتراكمة.
إن مقتل بريتي، وما سبقه من حوادث مشابهة، يكشف أن الأزمة ليست في «سلوك ضابط» أو «خطأ فردي»، بل في منظومة كاملة فقدت قدرتها على ضبط نفسها. وهذا ما يجعل كثيرين يتحدثون عن «انهيار بطيء» أو «تفكك تدريجي» في بُنية الدولة الأميركية، حيث تتآكل المؤسسات من الداخل، وتتصاعد التوترات بين المكونات الاجتماعية، وتتراجع قدرة النظام على إدارة الخلافات بطرق سلمية.
الاقتصاد والسياسة والعرق.. مثلث الانفجار الأميركي
لا يمكن فهم ما يجري في مينيابوليس دون النظر إلى السياق الأوسع: اقتصاد يعاني من تضخم وضغوط معيشية، مجتمع يعيش انقسامًا عرقيًا متجذرًا، مشهد سياسي محتدم، وصراع مفتوح بين الولايات والحكومة الفيدرالية. هذا المزيج المتفجر يجعل أي حادثة عنف تتحول إلى شرارة تشعل الشارع، لأن الناس يشعرون بأنهم يعيشون في دولة لم تعد قادرة على حمايتهم، ولا على توفير العدالة، ولا على ضمان المساواة. إن الولايات المتحدة اليوم ليست فقط دولة منقسمة، بل دولة متوترة، قلقة، خائفة من مستقبلها. وهذا الخوف يظهر في كل شيء: في الخطاب السياسي، في الإعلام، في الشارع، في الانتخابات، وفي ردود الفعل على الحوادث الأمنية. وحين تعيش دولة ما في حالة خوف دائم، تصبح أكثر عرضة للانهيار، لأن الخوف يقتل الثقة، والثقة هي أساس أي نظام سياسي.
مينيابوليس كعلامة على الانهيار البنيوي
إن ما يجعل حادثة مينيابوليس خطيرة ليس فقط أنها تكررت ثلاث مرات في شهر واحد، بل لأنها جاءت في لحظة تاريخية حساسة، إذ يشعر الأميركيون بأن دولتهم تفقد السيطرة على الشارع، وأن المؤسسات الفيدرالية تتصرف بطريقة منفصلة عن إرادة المواطنين. هذا الانفصال بين الدولة والمجتمع هو ما يجعل كثيرين يتحدثون عن «أزمة شرعية» في النظام الأميركي، وعن «تآكل داخلي» قد يقود إلى انهيار تدريجي. فالدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء، عبر سلسلة من الأزمات التي تبدو في البداية منفصلة، لكنها في الحقيقة مترابطة. وحين ننظر إلى الولايات المتحدة اليوم، نرى عنفًا أمنيًا متكررًا،انقسامًا سياسيًا حادًا، أزمة اقتصادية خانقة، تراجعًا في الثقة بالمؤسسات، صراعًا بين الولايات والحكومة الفيدرالية، احتجاجات متصاعدة، خطابًا شعبويًا يزداد حدة ، هذه كلها علامات على دولة تعيش مرحلة ما قبل الانهيار، أو على الأقل مرحلة «التصدع العميق».
رصاصة في مينيابوليس… وصوت انهيار بعيد
إن مقتل أليكس جيفري بريتي ليس مجرد حادثة أمنية، بل هو علامة سياسية واجتماعية على أزمة أعمق بكثير. فمينيابوليس اليوم ليست مدينة مضطربة فحسب، بل هي مرآة تعكس حال الولايات المتحدة: دولة قوية من الخارج، لكنها متصدعة من الداخل، تعيش حالة من الانقسام والتوتر تجعل كل حادثة عنف مؤشرًا على انهيار أوسع. وإذا لم تستطع الولايات المتحدة معالجة جذور أزمتها، فإن مثل هذه الحوادث لن تتوقف، بل ستتكرر، وربما تتوسع، حتى تصل البلاد إلى نقطة اللاعودة.
