تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
نزيف العقول يهدد ريادة واشنطن
ترامب يقوّض البحث العلمي الأمريكي.. والصين تقتنص المكاسب
أرقام تكشف حجم الضربة.. تفكيك البنية العلمية الأمريكية
الأرقام الواردة في تحقيق «نيويورك تايمز» المنشور في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026 ترسم صورة مقلقة. فقدت وزارة الطاقة الأمريكية أكثر من ألف عالم وموظف فني، وتقلص عدد العاملين في المعاهد الوطنية للصحة بنحو 20%، وفي المؤسسة الوطنية للعلوم بنحو الثلث، فيما خسرت ناسا نحو 20% من موظفيها الحاصلين على الدكتوراه. كما حُجبت أكثر من 1.4 مليار دولار من المخصصات التي أقرها الكونغرس للأبحاث، وأُرجئت أو أُلغيت أكثر من ألفي منحة طبية. وهذه ليست مجرد خسائر في كشوف التوظيف أو الحسابات المالية؛ إنها نزيف في الخبرة المتراكمة والذاكرة المؤسسية والقدرة على تحويل الاكتشافات. وتكتسب هذه الأرقام خطورتها من أن المؤسسات المستهدفة تقف وراء أبحاث السرطان وألزهايمر والطاقة والفضاء والتقنيات الدفاعية.
وتعزز هذه الصورة بيانات مستقلة نشرتها مجلة «نيتشر» في يناير/كانون الثاني 2026، أشارت إلى تجميد أو إنهاء أكثر من 7800 منحة بحثية، وخروج نحو 25 ألف عالم وموظف من الوكالات الفدرالية المعنية بالبحث العلمي.
حين يتحول المال العام إلى سلاح سياسي ضد المعرفة
الأكثر خطورة أن الأزمة لا تتعلق بالتمويل وحده، بل بمن يملك حق تحديد ما يستحق البحث وما ينبغي إسكات صوته. فالإدارة تستخدم التمويل الفدرالي ورقة ضغط على الجامعات، وتدفع المؤسسات الأكاديمية إلى مراجعة سياساتها وخطابها ومشروعاتها خشية خسارة المنح. ووصل الأمر إلى تعطيل أبحاث طبية بسبب اعتراضات سياسية على موضوعاتها، وفق ما أورده التحقيق، ومنها مشروع عالمة الأعصاب آن كوهين حول العوامل المبكرة المرتبطة بخطر الإصابة بألزهايمر.
إن تحويل المنحة البحثية إلى مكافأة سياسية يضرب جوهر الجامعة؛ فوظيفتها ليست ترديد خطاب البيت الأبيض، بل اختبار الفرضيات ومساءلة المسلمات والوصول إلى نتائج قد لا ترضي السلطة. فقد كشفت مجلة «نيتشر» في أبريل/نيسان 2026 عن إنهاء أكثر من 100 لجنة استشارية علمية مرتبطة بالوكالات الفدرالية. كما أُقيل أعضاء المجلس الوطني للعلوم، الهيئة المشرفة على المؤسسة الوطنية للعلوم، وعددهم 22 عضواً. وهذه تطورات تثير تساؤلات جدية حول استقلال المؤسسات العلمية وقدرتها على تقديم المشورة للحكومة بعيداً عن الحسابات السياسية.
التناقض الأمريكي.. تمويل ضخم وخنق للبحث
قد يقول البيت الأبيض إن الإنفاق الفدرالي على البحث والتطوير لا يزال يقترب من 200 مليار دولار سنوياً، وإن الإدارة تريد توجيه الأموال إلى المجالات الأكثر جدوى. لكن هذه الحجة تخفي جوهر المشكلة: حجم الموازنة لا يكشف وحده كيف تُوزع الأموال، ولا من يحصل عليها، ولا ما إذا كانت المؤسسات تملك الكفاءات اللازمة لإنفاقها. فتقرير خدمة أبحاث الكونغرس بشأن موازنة 2026 أظهر أن طلب ترامب الأصلي تضمن تخفيضات كبيرة في الإنفاق على البحث والتطوير، ولا سيما في المؤسسات المدنية، مع اقتراح تقليصات حادة في تمويل المعاهد الوطنية للصحة والمؤسسة الوطنية للعلوم وناسا.
صحيح أن الكونغرس قاوم أجزاء من هذه التخفيضات وأقر تمويلاً أعلى من طلب الرئيس لعدد من الوكالات، لكن ذلك لا يلغي الضرر الناجم عن عدم اليقين الذي يضرب التخطيط العلمي لسنوات. ولا تقف الخسائر عند حدود الجامعات ومراكز الأبحاث، بل تمتد إلى قلب الاقتصاد الصناعي والتكنولوجي. فالبحث العلمي هو المنبع الأول للأفكار التي تتحول لاحقاً إلى شركات ومنتجات وصناعات وفرص عمل.
والمفارقة أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة بالفعل في إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير عام 2024، وفق بيانات المركز الوطني الأمريكي لإحصاءات العلوم والهندسة، إذ بلغ إنفاقها نحو 1.028 تريليون دولار، مقابل 1.009 تريليون دولار للولايات المتحدة، وفق معايير المقارنة الدولية وتعادل القوة الشرائية. ورغم احتفاظ واشنطن بمزايا مهمة في الأبحاث عالية التأثير والابتكار التجاري، فإن هذه الأرقام تكشف أن المنافسة لم تعد نظرية. وإذا تراجعت قدرة المختبرات الأمريكية على إنتاج المعرفة، فإن الخسارة لن تقتصر على الأوراق العلمية، بل قد تشمل شركات لن ترى النور، وتقنيات لن تُطوَّر، وأسواقاً قد تنتقل قيادتها إلى المنافسين.
الصين لا تحتاج إلى هزيمة أمريكا.. واشنطن تتولى المهمة
في الوقت الذي تنشغل فيه الإدارة الأمريكية بمعاركها مع الجامعات والعلماء، تجد الصين فرصة لتوسيع نفوذها العلمي والتكنولوجي. فالتفوق في القرن الحادي والعشرين لن يُحسم بعدد حاملات الطائرات وحدها، بل بالقدرة على تطوير أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطب المتقدم والمواد الجديدة والحوسبة الكمية. وكل عالم يغادر مختبراً أمريكياً بحثاً عن الاستقرار والتمويل يمثل خسارة محتملة للولايات المتحدة ومكسباً محتملاً لمنافس آخر. وتكشف الأزمة أيضاً حدود الرهان على الشركات الخاصة لتعويض تراجع التمويل الحكومي. فشركات التكنولوجيا الكبرى، مهما بلغت ثرواتها، لا تستطيع وحدها تحمل مسؤولية الأبحاث الأساسية التي تحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تتحول إلى تطبيقات تجارية. لقد استفادت تقنيات الذكاء الاصطناعي والطب الحديث والحوسبة المتقدمة من عقود من الاستثمار الحكومي والجامعي في المعرفة الأساسية. والشركات، بحكم طبيعة عملها، تميل إلى المشروعات التي تتوقع عائداً تجارياً، بينما قد تبقى الأبحاث الأساسية خارج حساباتها الاستثمارية.
ترامب قد يربح معركة سياسية ويخسر قرناً علمياً
المشكلة الجوهرية في نهج ترامب أنه يقيس نجاح الدولة بمنطق المكاسب السياسية السريعة، بينما يقيس العلم نجاحه بمنطق التراكم الذي يحتاج إلى سنوات وعقود. فالأبحاث التي أسهمت في تطوير تقنيات مثل نظام تحديد المواقع العالمي والاتصالات الحديثة والتطبيقات الطبية المنقذة للحياة،لم تكن جميعها مشاريع ذات عائد فوري؛ بل كانت استثمارات بعيدة المدى صنعت لاحقاً ثروة الولايات المتحدة وقوتها ونفوذها. ولذلك فإن العبث باستقلال الجامعات وتجفيف الموارد وإقصاء الخبرات لا يعني فقط إضعاف الباحثين، بل تقويض قدرة الأجيال المقبلة على المنافسة والابتكار. إن أمريكا لا تخسر اليوم أموالاً فحسب، بل تخاطر بخسارة ما لا يمكن شراؤه بسهولة: العقول، والثقة، والحرية الأكاديمية، والقدرة على إنتاج المعرفة.
