تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
وسط اتساع الإضرابات وتراجع الثقة بالحكومات
من شوارع أوروبا إلى موانئها.. غضب شعبي يتصاعد في مواجهة الغلاء والتقشف
ولا تقتصر هذه التحركات على المطالب المعيشية، بل تكشف عن خلاف أوسع بشأن أولويات الإنفاق العام، ومدى قدرة الحكومات على الموازنة بين الالتزامات الدفاعية والاحتياجات الاجتماعية، في ظل تراجع الثقة بقدرتها على معالجة الأزمات اليومية.
ألمانيا.. الشباب يحتجون على تراجع الخدمات وتصاعد الإنفاق العسكري
في ألمانيا، تتجه الأنظار إلى تحركات يقودها شباب من حركة «جين زد ريغلت»، مع تسجيل نحو 150 ألف شخص للمشاركة في مظاهرات مقررة في 30 مدينة. وتتركز المطالب على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع أوضاع المدارس، والاعتراض على تقليص ميزانيات التعليم والثقافة والرعاية الصحية.
كما يبرز رفض توجيه مليارات اليوروهات إلى إعادة التسلح في وقت يرى فيه المحتجون أن الخدمات الأساسية تحتاج إلى تمويل أكبر.
وتكتسب مشاركة الشباب أهمية سياسية، لأنها تعبر عن قلق يتجاوز الظروف الاقتصادية الراهنة إلى التساؤل بشأن فرص الأجيال المقبلة، ومستوى التعليم والخدمات وفرص العمل التي ستتوفر لها.
فرنسا.. أزمة المعيشة والديون تزيد الضغط على الحكومة
في فرنسا، تتسع دائرة الاحتجاجات وسط استعدادات أمنية لنشر نحو 70 ألف شرطي، في ظل توقعات بمشاركة واسعة وعودة تحركات مرتبطة بحركة السترات الصفراء، إلى جانب النقابات العمالية. ويتركز الغضب على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة والتعليم، فضلاً عن الاعتراض على السياسات المالية والاجتماعية للحكومة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه البلاد أزمة موازنة وضغوطاً مرتبطة بارتفاع الدين العام، الذي تقترب نسبته من 120% من الناتج المحلي الإجمالي. وتضع هذه الظروف الحكومة أمام معادلة صعبة: تقليص العجز وضبط الإنفاق من جهة، والاستجابة للمطالب الاجتماعية من جهةٍ أخرى. كما أثار مشروع قانون يهدف إلى تعويض الأضرار الناجمة عن أعمال الشغب مخاوف حقوقية، وسط انتقادات من احتمال تحميل أسر أو أطراف مسؤوليات مالية واسعة. ويزيد هذا الجدل من حدة التوتر بين السلطات وبعض الفئات الاجتماعية، في وقت تقترب فيه البلاد من استحقاق الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، بما يضيف بعداً سياسياً إلى الأزمة الاجتماعية.
إيطاليا واليونان.. إضرابات واسعة تشل قطاعات حيوية وتستهدف الموانئ
في إيطاليا، شهدت الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026 احتجاجات في أكثر من 40 مدينة، ترافقت مع إضراب عام لمدة 24 ساعة، دعت إليه نقابات عمالية، للمطالبة برفع الأجور وتحسين الخدمات العامة ومواجهة غلاء المعيشة. وشملت التحركات أيضاً الموانئ، حيث احتج عمال على استخدامها في شحن الأسلحة ونقل العتاد العسكري.
أما في اليونان، فقد أدى إضراب البحارة ومهندسي السفن إلى توقف غالبية الرحلات البحرية بين البر الرئيسي وجزر بحر إيجه. ويطالب المضربون بأجور أفضل واتفاقات عمل جماعية وظروف مهنية أكثر ملاءمة، إلى جانب اعتراضهم على نقل عتاد عسكري عبر الموانئ.
أزمات الاقتصاد الأوروبي.. الحروب والطاقة تثقل كاهل الأسر والعمال
تواجه الاقتصادات الأوروبية ضغوطاً متراكمة لم تعد أرقام التضخم والديون وحدها قادرة على اختزالها، بعدما انتقلت تداعيات الأزمات الدولية والحروب إلى موائد الأسر وفواتير الكهرباء والتدفئة والإيجارات. فرغم تراجع معدلات التضخم في بعض الدول مقارنة بالذروة التي بلغتها في السنوات الماضية، فإن ذلك لم يعنِ عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل بقيت تكاليف الغذاء والطاقة والسكن عند مستويات تثقل كاهل ملايين الأسر، في وقت عجزت فيه أجور قطاعات واسعة عن ملاحقة الارتفاع المتواصل في نفقات المعيشة.
وزادت الحروب والاعتداءات العسكرية والتوترات الإقليمية من تعقيد المشهد، بعدما امتدت ارتداداتها إلى أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية. فأي اضطراب واسع في إمدادات الطاقة أو تصعيد يهدد طرق النقل والتجارة يفتح الباب أمام موجات جديدة من تقلب الأسعار وارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن، لتجد الشركات والمستهلكون أنفسهم أمام فاتورة إضافية لا تتوقف عند حدود الدول التي تشهد الصراعات، بل تمتد إلى الاقتصادات الأوروبية وأسواقها الداخلية. وفي ظل هذه التطورات، تتزايد الضغوط على الحكومات الأوروبية التي تواجه معادلة مالية شديدة التعقيد؛ فتباطؤ النمو وارتفاع الدين العام وتكاليف الاقتراض يضيّق هامش التحرك أمامها، ويحد من قدرتها على توسيع الإنفاق الاجتماعي أو تقديم دعم كافٍ للأسر المتضررة. وفي المقابل، تتصاعد المطالب بزيادة تمويل الصحة والتعليم والبنية التحتية وتحسين الأجور، ما يضع الموازنات العامة أمام معادلة صعبة تجمع بين القيود المالية والاحتياجات الاجتماعية المتزايدة.
وتبدو الفجوة أكثر وضوحاً لدى الفئات محدودة الدخل، إذ تتآكل قدرتها على الادخار وتغطية النفقات الأساسية. وهكذا، لم تعد الأزمة مجرد أرقام اقتصادية أو مؤشرات مالية، بل تحولت إلى عبءٍ يومي يهدد الاستقرار المعيشي لملايين الأوروبيين، ويعمّق الشعور بتراجع العدالة الاقتصادية، ويمنح الاحتجاجات الاجتماعية وقوداً إضافياً.
الإنفاق العسكري والخدمات.. صراع الأولويات يتصدر الاحتجاجات الأوروبية
يمثل الإنفاق العسكري أحد أبرز محاور الصدام في موجة الاحتجاجات الأوروبية، مع اتجاه حكومات عدة إلى زيادة ميزانيات الدفاع وتسريع إعادة التسلح. وبينما تبرر الحكومات هذه التوجهات بضرورات حماية الأمن الأوروبي وتقليل الاعتماد العسكري على الحلفاء، تتصاعد اعتراضات قطاعات اجتماعية ونقابية ترى مفارقة واضحة في تخصيص موارد متزايدة للتسلح، بالتزامن مع استمرار الضغوط على التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
ولا يتوقف الاعتراض عند حجم الإنفاق العسكري، بل يمتد إلى السؤال عن الأولويات التي تحكم توزيع المال العام: فكيف تطالب الحكومات مواطنيها بتحمل أعباء التقشف وضبط الإنفاق، بينما تتجه إلى توسيع الموازنات الدفاعية؟
أزمة الثقة بالحكومات.. لماذا تتسع الاحتجاجات الأوروبية؟
لا تقتصر أسباب استمرار الاحتجاجات على ارتفاع الأسعار أو تراجع الخدمات، بل ترتبط أيضاً بأزمة ثقة بين قطاعات من المواطنين والمؤسسات السياسية. فحين تتكرر الوعود بتحسين الأوضاع من دون أن يشعر الناس بتغيير ملموس، تتحول المطالب الاقتصادية إلى اعتراض أوسع على السياسات الحكومية وطريقة إدارة الموارد.
ويمنح تعدد المطالب الاحتجاجات قدرة على التجدد، إذ لا ترتبط بمطلب واحد يمكن للحكومات تسويته، بل بمجموعة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتداخلة.
وتواجه الحكومات الأوروبية تحدياً في التعامل مع هذه التحركات؛ فالتشدد الأمني قد يحد من بعض أشكال الاضطراب على المدى القصير، لكنه لا يعالج جذور الغضب المرتبطة بالدخل والخدمات وفرص العمل. وفي المقابل، تتطلب الاستجابة الفعلية موارد مالية وسياسات طويلة الأمد، في ظل قيود الموازنات وارتفاع الديون.
أوروبا أمام اختبار صعب.. هل تنجح الحكومات في احتواء الغضب؟
ولم تعد هذه التحركات مجرد رد فعل على ارتفاع الأسعار، بل باتت تعبيراً عن تراكم أزمات تهدد الثقة بالمؤسسات وقدرة الحكومات على احتواء الغضب. وبينما تتواصل الضغوط على الأسر والعمال، يبقى مستقبل الاستقرار الأوروبي مرتبطاً بمدى قدرة الحكومات على ترجمة وعودها إلى حلول ملموسة، قبل أن تتحول الاحتجاجات المتفرقة إلى موجة أوسع يصعب احتواؤها.
