تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
من بيستون إلى طاق بستان
كرمانشاه.. ملتقى السياحة الثقافية والدينية وبوّابة التواصل مع العراق
وفي قراءة لآفاق تطوير السياحة في المحافظة، يرى رئيس دائرة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في مدينة كرمانشاه، أن الموقع الحدودي والإرث الحضاري وحركة الزوار تمثل مقومات مهمة ينبغي توظيفها ضمن رؤية متكاملة، تجعل المحافظة أكثر من مجرد محطة عبور، وتحولها إلى وجهة تستحق الزيارة والإقامة واستكشاف معالمها.
بيستون وطاق بستان.. ذاكرة حضارية مفتوحة للزوّار
تشكّل المعالم التاريخية، وفي مقدمتها بيستون وطاق بستان، ركناً أساسياً من الهُوية السياحية لكرمانشاه، إذ تمنح الزائر فرصة للتعرف إلى محطات بارزة من تاريخ إيران وتراثها المعماري والثقافي. ولا تقتصر قيمة هذه المواقع على أهميتها التاريخية، بل تمثل أيضاً رصيداً يمكن البناء عليه لتطوير مسارات سياحية تربط المعالم الأثرية بالمراكز الحضرية والمقومات الثقافية المحلية.
ويرى حسين خاني، أن هذا الإرث الحضاري لا ينبغي أن يبقى مجرد شاهد على الماضي، بل يمكن أن يتحول إلى عنصر فاعل في تنشيط السياحة وخلق فرص اقتصادية جديدة، من خلال صون المواقع التاريخية، وتحسين الخدمات المقدمة للزوار، وتوسيع التعريف بالمقومات الثقافية للمحافظة.
ويتيح الربط بين المواقع الأثرية والتجارب الثقافية المحلية تقديم صورة أكثر تنوعاً عن كرمانشاه، بحيث لا تقتصر زيارة السائح على مشاهدة المعالم، بل تشمل أيضاً اكتشاف هوية المنطقة وعادات سكانها وخصوصية بيئتها الثقافية.
الموقع الحدودي يعزّز فرص السياحة مع العراق
يُمثل قرب كرمانشاه من العراق إحدى أبرز مزاياها الجغرافية، إذ يتيح المجال لتوسيع حركة التنقل والتبادل بين الجانبين، ويفتح آفاقاً لتعزيز التعاون السياحي إلى جانب العلاقات التجارية. ويمكن الاستفادة من هذا الموقع في الترويج للمعالم التاريخية والثقافية للمحافظة لدى الزوار العراقيين، وتشجيعهم على إدراج كرمانشاه ضمن برامج رحلاتهم. غير أن تحويل الموقع الجغرافي إلى ميزة سياحية مستدامة يتطلب تطوير خدمات النقل والإقامة، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل وصول الزوار إلى المواقع السياحية.
كما أن تعزيز التعاون بين المؤسسات المعنية والقطاع الخاص يمكن أن يسهم في تقديم برامج سياحية متكاملة، تجمع بين زيارة المعالم التاريخية والاستمتاع بالتجارب الثقافية والخدمات المحلية.
ويؤكد خاني أن الاستفادة من الإمكانات الحدودية ينبغي ألا تقتصر على عبور المسافرين والبضائع، بل يجب أن تمتد إلى تنشيط الأنشطة السياحية والخدمية، بما يتيح للمحافظة الاستفادة بصورة أوسع من حركة التنقل مع العراق.
السياحة الدينية.. فرصة لتوسيع تجربة الزائر
تحتل حركة زوار العتبات المقدسة، ولا سيّما خلال موسم أربعينية الإمام الحسين(ع)، مكانة مهمة ضمن فرص تطوير السياحة في كرمانشاه، بحكم موقعها على مسارات تنقل الزوار.
وتوفر هذه الحركة مجالاً لتحسين خدمات الاستقبال والضيافة، وتطوير مرافق الإقامة والنقل، وتعزيز الأنشطة التجارية والخدمية المرتبطة بالزوار؛ لكن توسيع الاستفادة من السياحة الدينية يتطلب تجاوز الطابع الموسمي للزيارة، من خلال تعريف المسافرين بالمقومات التاريخية والطبيعية والثقافية للمحافظة، وتشجيعهم على تخصيص وقت إضافي لاستكشافها. ويمكن أن يسهم هذا التوجه في تحويل كرمانشاه من محطة عبور إلى وجهة سياحية تجمع بين البعد الديني والتجربة الثقافية.
كما أن تحسين جودة الخدمات وتوفير المعلومات السياحية وتطوير برامج الزيارة من شأنه أن يعزز تجربة المسافرين، ويوسع الفوائد الاقتصادية لتشمل الفنادق والمطاعم والأسواق والحرفيين ومقدمي الخدمات المحليين.
من المقومات السياحية
إلى التنمية المحلية
يشدد خاني على أن نجاح الخطط التنموية لا يُقاس بمجرد الإعلان عن المشروعات، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة السكان وتوفير فرص عمل مستدامة، ولا سيّما للشباب. ومن هذا المنطلق، يمكن للسياحة أن تؤدي دوراً مهماً في دعم الاقتصاد المحلي، عندما ترتبط بحاجات المجتمعات وتتيح للأنشطة الصغيرة الاستفادة من حركة الزوار.
ويتطلب ذلك تنسيقاً بين المؤسسات المعنية بالتراث والسياحة والنقل، إلى جانب تشجيع الاستثمار الخاص وتطوير الخدمات في محيط المواقع السياحية. كما تبرز أهمية وضع خطط واضحة لتسويق كرمانشاه بوصفها وجهة متكاملة، تجمع بين المواقع الأثرية والزيارة الدينية والهُوية الثقافية والموقع الحدودي.
وتتمتع المحافظة بمقومات تؤهلها لتعزيز حضورها على خريطة السياحة الإيرانية والإقليمية، إلا أن توظيف هذه المقومات يحتاج إلى إدارة فاعلة وبرامج عملية تحافظ على التراث وتطوّر الخدمات وتربط السياحة بالنشاط الاقتصادي المحلي.
وهكذا، فإن مستقبل السياحة في كرمانشاه لا يقوم على عراقة الماضي وحدها، بل على القدرة على تحويل هذا الإرث إلى تجربة متكاملة للزوار، تعزز التواصل الثقافي مع البلدان المجاورة، وتمنح المجتمعات المحلية فرصاً أوسع للاستفادة من السياحة. فمن بيستون إلى طاق بستان، ومن مسارات الزيارة الدينية إلى الأسواق المحلية، تمتلك كرمانشاه عناصر متنوعة لبناء وجهة تجمع بين التاريخ والضيافة والتنمية المستدامة.
