وزير العلوم، معتبراً شهادته على أيدي أشقياء الأرض خير دليل على عظمته:

«إسرائيل» كانت تخشى عقلانية الشهيد لاريجاني وقدرته التحليلية

/  أُقيمت مراسيم إحياء ذكرى الأستاذ الشهيد علي لاريجاني بحضور حاشد للشخصيات الأكاديمية والسياسية في جامعة طهران. وأكد وزير العلوم والبحوث والتكنولوجيا، حسين سيمائي صراف، عبر استعراض السيرة العلمية والأخلاقية والسياسية لهذا الشهيد، أن اغتياله من قبل الكيان الصهيوني يُعد مؤشراً على خوف العدو من تفكيره العميق وقدرته التحليلية الاستراتيجية، مشدداً على ضرورة إرساء دعائم العقلانية والعقل الجمعي في هيكلية الحوكمة بالبلاد.
اغتيال العقل المدبر؛ هلع العدو من التأملات الفلسفية والسياسية
استهلّ وزير العلوم حديثه بإجلال المكانة السامية للشهيد لاريجاني، مؤكداً بالقول: لقد كان الشهيد لاريجاني مظهراً للعقلانية واحداً من أبرز الثروات الوطنية للبلاد؛ فهو شخصية لم يطق العدو مواجهة أفكاره. لقد كانت «إسرائيل» تخشى تماماً من هذه الخصائص تحديداً، أي العقلانية وعمق التأملات وقوة تحليله العالية، ولهذا السبب أقدمت على اغتياله. إن شهادته على أيدي أشقياء الأرض، أي الكيان الصهيوني، خير دليل على عظمة هذا الرأس المال المفقود، وتتحمل الأوساط العلمية وعائلته الكريمة اليوم وقع هذا المصاب الجلل بكل صعوبة.
الفراسة السياسية والأخلاق؛ قراءة جديدة لمذكرتين تاريخيتين
وأشار سيمائي صراف إلى معرفته المقربة بالشهيد لاريجاني طوال أعوام مديدة، بالقول: تعود سابقة التعارف والتعاون الوثيق بيننا إلى فترة رئاسته لمجلس الشورى الإسلامي؛ ففي عام 2013، حين كنت أشغل منصب معاون وزير العلوم للشؤون القانونية والبرلمانية وكنت أتابع أداءه عن قرب في القاعة العامة، كتبت مذكرة قصيرة تطرقت فيها إلى خصائصه الشخصية. لقد وجدتُ الدكتور لاريجاني في تلك الحقبة شخصية مدبرة، ذات فراسة وعالمة وتتمتع برؤية وطنية شاملة؛ مديراً لم يخرج طوال سنوات رئاسته الطويلة للمجلس عن دائرة الأخلاق، ولم ير منه أحد أي سوء خلق. وأضاف: النقطة الجديرة بالتأمل هي أنه على الرغم من دراسته في فرع الفلسفة، إلا أنه كان يتمتع بإحاطة وفهم عميقين للمباحث القانونية. لقد خطا الشهيد لاريجاني في حياته السياسية باستمرار نحو التكُمّل والإنضاج والتحسّن. وحين غادر البرلمان عام 2020، كتبتُ مذكرة أخرى بعنوان «رحل علي لاريجاني»، بيّنتُ فيها أنه ثروة وطنية ويجب أن نفكر في كيفية صيانة هذه الثروات؛ ويا للأسف والتحسر، فقد تحول ذلك الرحيل اليوم إلى رحيل بلا رجعة.
الارتباط بين العلم والعقلانية
في الحوكمة
وتابع وزير العلوم حديثه متطرقاً إلى التنظير حول العلاقة بين العقل وإدارة المجتمع، مبيناً: كان أفلاطون يرى يوماً أن الحاكم الفيلسوف هو ضامن سعادة المجتمع؛ لكن النقاش تجاوز في العالم المعاصر دائرة «الحاكم» ليصل إلى مجال «الحوكمة»؛ إذ لم تعد كلمة ومفهوم الحكومة لوحدها كفيلة بالاستجابة لتعقيدات إدارة المجتمعات الحديثة، وحدها الحوكمة المطلوبة قادرة على توجيه الإنسان نحو التكامل.
وأشار سيمائي صراف، مستذكراً مؤشرات الحوكمة الرشيدة من منظر البنك الدولي، إلى أن: مؤشرات مثل سيادة القانون، والشفافية، والمشاركة الشعبية هي ركائز الحوكمة الرشيدة؛ لكن الواقع يتمثل في أن العقلانية هي البنية التحتية لجميع هذه المؤشرات؛ وهو عنصر أساسي تجسد بوضوح في سلوك وقرارات الشهيد لاريجاني.
القراءة التاريخية لمكانة العقل
في الحضارة الإسلامية
واستعرض وزير العلوم تطور مكانة العقل في تاريخ الفكر الإسلامي بالقول: لقد كان تاريخ العقل بين المسلمين مساراً مليئاً بالمنعطفات والتقلبات؛ فقد تبنت المدارس المختلفة، بدءاً من الخوارج والأشاعرة وصولاً إلى المعتزلة والإخباريين والأصوليين، مقاربات متباينة في هذا الشأن. وفي هذا السياق، فإن تعبير الأستاذ الشهيد مطهري صادم وجدير بالتأمل، إذ كان يقول إن «علي بن أبي طالب(ع) هو شهيد فصل الدين عن العقل»؛ لأن الخوارج كانوا رمزاً للجهاد بلا اجتهاد أو عدالة أو تعقل. ونحن اليوم، على الرغم من أننا نتبع في النظرية مدرسة الأصوليين ونولي العقل مكانة رفيعة، إلا أنه يجب علينا أن نتساءل بشجاعة: كم ابتعدنا في مقام العمل والفقه والمعرفة والأخلاق عن الإخباريّة الخالية من العقلانية؟
الحدّ من أخطاء صنع القرار بالاعتماد على العقل الجمعي ومراكز الفكر
وأوضح سيمائي صراف، إجابةً عن شبهة احتمال خطأ العقلانية في عملية صنع السياسات، قائلاً: يتساءل البعض: بالنظر إلى احتمال خطأ العقل، كيف يمكن الاعتماد عليه في الحوكمة؟ والردّ النقضي هو: ألّا نقع في الخطأ أثناء نقل الروايات والفهم البشري؟ عندما تصل إلينا القضية المنقولة، نجتمع معاً من أجل الاستنباط والاجتهاد ونسبتها إلى الباري عزوجل، وهذا بحد ذاته متكئ على الفهم؛ إذن لا يُعد احتمال الخطأ مبرراً البتة لتنحية العقل جانباً.
وفي الختام، أكد وزير العلوم على ضرورة ردم الفجوة بين القرار والتنفيذ، مضيفاً: يتم اليوم تقييم تداعيات ونتائج كل قرار مع تطور المختبرات التخصصية -حتى في مجال العلوم الإنسانية- ومراكز الفكر ومعاهد البحوث، وقد انخفض احتمال الخطأ الحسابي بشكل كبير. إن العقل الجمعي، بالتلازم مع أداة العلم، يخلق مستوى عالياً من اليقين، وكلما اتسعت دائرة مشاركة العقلاء، قلّت الأخطاء. إن التحدي الكبير الذي يواجهنا هو أننا نتوصل أحياناً إلى قرار صحيح بناءً على العقل الجمعي؛ لكننا لا نلتزم بقراراتنا في مرحلة العمل والتنفيذ؛ في حين أن طوق نجاة البلاد يكمن في الدخول الجدي للعقلانية إلى ساحة صنع السياسات. يذكر أن مراسم إحياء ذكرى الشهيد الدكتور علي لاريجاني عُقدت صباح الاثنين (26 تشرين الأول/ أكتوبر 2026)، بحضور عائلة الشهيد لاريجاني، والشهيد بهشتي، والشهيد مطهري، ووزير العلوم والبحوث والتكنولوجيا حسين سيمائي صراف، ورئيس جامعة طهران، وجمع من الأساتذة والطلاب، وذلك في قاعة الاجتماعات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة طهران.
البحث
الأرشيف التاريخي