تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
توسّع رقعة الاحتجاجات في ألبانيا
الفساد ونقص الوظائف يؤجّجان الغضب الشعبي ويضيّقان الخناق على حكومة راما
ويكشف تصاعد الاحتجاجات عن اتساع الهوة بين حكومة راما وقطاعات واسعة من المجتمع الألباني، ولا سيما الشباب الذين يواجهون تراجع فرص العمل ومشكلات التعليم وانسداد الآفاق أمام مستقبل أكثر استقراراً. ويضع هذا الغضب المتنامي الحكومة في مواجهة مباشرة مع مسؤوليتها عن الأوضاع القائمة، في ظل تصاعد الانتقادات لسياساتها وعجزها عن تبديد مخاوف المواطنين.
راما تحت ضغط الغضب والمساءلة
منذ تولي إيدي راما رئاسة الحكومة عام 2013، راكمت السلطة سنوات طويلة من المسؤولية السياسية، ما يجعلها اليوم مطالبة بالإجابة عن أسئلة: ماذا تحقق للشباب الألباني؟ ولماذا تتصاعد الشكاوى من المحسوبية والفساد؟ وكيف يمكن الحديث عن التنمية والاستثمار فيما تتسع المخاوف بشأن فرص العمل وجودة التعليم ومستقبل الأجيال الجديدة؟.
وفي هذا السياق، تبدو المطالبة باستقالة راما انعكاساً لغضب يتجاوز الخصومة الحزبية التقليدية، ليطرح مسألة المسؤولية السياسية عن إدارة البلاد. فالمحتجون يربطون بين الأوضاع المعيشية والخلل الذي يرونه في مؤسسات الدولة، وبين شعورهم بأن الوصول إلى الوظائف والفرص قد لا يعتمد دائماً على الكفاءة والاستحقاق.
ألبانيا تنتفض على مشروع صهر ترامب وحكومة راما
تحوّل المشروع الاستثماري المرتبط بجاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب، إلى محور رئيسي للاحتجاجات المتصاعدة في ألبانيا، بعدما أثارت خطط إنشاء منتجعات سياحية فاخرة في جزيرة سازان وعلى الساحل قرب منطقة فيجوسا–نارتا المحمية مخاوف بشأن مصير الأراضي الطبيعية وحقوق السكان. ولم يعد الاعتراض مقتصراً على الأضرار البيئية المحتملة، بل اتسع ليصبح مواجهة مع حكومة رئيس الوزراء إيدي راما، وسط اتهامات بالفساد والمحسوبية وغياب الشفافية في القرارات التي تمس مستقبل البلاد.
ويشمل المشروع خططاً لتطوير منشآت سياحية فاخرة تضم فنادق وفيلات ومرافق ترفيهية، في مواقع تتمتع بأهمية بيئية وتاريخية. وتكمن حساسية المشروع في أن المنطقة الساحلية المحيطة بفيجوسا–نارتا تشكل موطناً لطيور الفلامنغو وأنواع أخرى من الحياة البرية، فيما تمثل جزيرة سازان مساحة طبيعية ذات قيمة خاصة للألبانيين.
ويحذر ناشطون بيئيون من أن التوسع العمراني السياحي قد يهدد هذه الأنظمة الطبيعية، ويطرحون تساؤلات بشأن شفافية الإجراءات، ومدى إشراك السكان في القرارات، والضمانات الفعلية لحماية البيئة. وفي المقابل، تدافع الحكومة عن المشروع باعتباره فرصة لجذب الاستثمارات وتنشيط السياحة وخلق فرص عمل، بينما يطالب معارضوه بكشف تفاصيل الاتفاقات وإخضاع الخطط لتقييم بيئي مستقل ورقابة عامة.
وأثار ارتباط المشروع بكوشنر وزوجته إيفانكا، ابنة ترامب، انتقادات إضافية بشأن تداخل المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي. ويرى معارضون أن قرب المستثمرين من دوائر السلطة الأميركية يجعل الشفافية والمساءلة أكثر إلحاحاً، لا سيما عندما يتعلق الأمر بأراضٍ ذات قيمة بيئية عامة. ولا يعني هذا الارتباط بحد ذاته ثبوت مخالفة قانونية، لكنه يضع الحكومة الألبانية أمام مسؤولية توضيح شروط المشروع وآليات الموافقة عليه، وإثبات أن القوانين تطبق دون استثناء.
ومن هنا، تحولت معارضة المشروع إلى شرارة لحركة احتجاجية أوسع، عُرفت باسم «ثورة الفلامنغو»، امتدت من الدفاع عن المناطق الطبيعية إلى المطالبة بمحاسبة الحكومة وتحسين الأوضاع المعيشية والتعليم وفرص العمل. ورفع المحتجون شعارات ترفض تحويل البلاد إلى ساحة لمصالح المستثمرين، مطالبين راما بالتراجع عن المشروع والاستجابة لمطالبهم. ومع انضمام شرائح أوسع، بينها الطلاب، إلى التحركات، باتت الأزمة تعكس غضباً يتجاوز منتجعاً سياحياً بعينه إلى أسئلة أعمق بشأن الحكم والعدالة والحقوق العامة.
فالأرض ليست مجرد فرصة عقارية، والمناطق المحمية ليست مساحة متاحة بلا قيود، وحقوق الألبانيين لا ينبغي أن تتراجع أمام مصالح المستثمرين، مهما كانت صلاتهم السياسية. وبين إصرار الحكومة على المضي في المشروع وتصاعد الاحتجاجات، أصبحت الشفافية وحماية البيئة واحترام إرادة السكان في صلب المواجهة.
طلاب ألبانيا يحتجون دفاعاً عن التعليم والمستقبل
من أكثر المشاهد دلالة في الاحتجاجات انضمام طلاب الجامعات والمدارس الثانوية إلى الحراك. فالطلاب الذين يخرجون للمطالبة بتحسين التعليم لا يحتجون على تفاصيل إدارية فقط، بل يعبرون عن خوفهم من أن يتحول التعليم إلى شهادة لا تضمن عملاً، وأن يصبح التفوق الدراسي عاجزاً عن فتح الأبواب أمام مستقبل كريم. وتشير شهادات الطلاب إلى اكتظاظ الصفوف ووصول عدد التلاميذ في الصف الواحد إلى نحو أربعين.
إن التعليم ليس بنداً ثانوياً في الموازنة، ولا خدمة يمكن تأجيل إصلاحها إلى أجل غير معلوم؛ إنه الأساس الذي تقوم عليه قدرة المجتمع على الحد من الفقر، وبناء اقتصاد منتج، ومقاومة الفساد، وتوسيع فرص الصعود الاجتماعي. ومن هنا، فإن مشاركة الطلاب تحمل رسالة سياسية واضحة: الجيل الجديد لم يعد مستعداً لقبول فكرة أن مستقبله يجب أن يُبنى خارج ألبانيا. فعبارة «لا نريد أن نبني أحلامنا في مكان آخر» تختصر جوهر الأزمة، لأنها تعبر عن رغبة في البقاء والمشاركة وصناعة التغيير داخل الوطن، لا عن مجرد رفض للحكومة القائمة.
المواجهة الأمنية تعمّق أزمة الثقة
استخدمت الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي في مواجهة المحتجين في تيرانا، وسط تقارير رسمية عن إصابة أكثر من 300 شخص منذ 13 تشرين الأول/أكتوبر، وأضرار طالت مباني عامة ومؤسسات. ويعكس التصعيد اتساع المواجهة بين الحكومة والشارع، ويضع أساليب تعامل السلطات مع الاحتجاجات أمام اختبار المساءلة، ولا سيما بشأن مدى تناسب القوة المستخدمة مع طبيعة التظاهرات. وبالتوازي، اتهم راما أطرافاً بالوقوف وراء ما وصفه بـ«حرب متعددة الوسائل»، وتحدث عن تدخلات أجنبية، معلناً عزمه إنشاء قاعدة بيانات للمشاركين في أعمال العنف. وتثير هذه الخطوة تساؤلات بشأن معايير تحديد المسؤولية وضمان عدم الخلط بين المتورطين في أعمال عنف والمشاركين في الاحتجاج السلمي، فضلاً عن مخاطر توسيع الرقابة على خلفية سياسية. ختاماً، ما يجري في تيرانا رسالة واضحة بأن الوعود لم تعد كافية لاحتواء الغضب. فالألبانيون يستحقون محاسبة شفافة، وتعليماً لائقاً، وفرصاً عادلة، وحقاً كاملاً في التظاهر السلمي والتعبير عن مطالبهم دون ترهيب. ولن تستعيد الحكومة ثقة الشارع بإسكات الأصوات، بل بإصلاحات ملموسة تحمي الكرامة وتضع القانون والمصلحة العامة فوق المصالح والنفوذ.
