الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • ملحق خاص
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وخمسة وثمانون - ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وخمسة وثمانون - ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۸

أبعاد إنسانية تتجاوز الحسابات السياسية والضغوط الدولية

من حق التكنولوجيا إلى حق العلاج؛ لماذا تُعد الطاقة النووية ضرورة لصحة الشعب؟

/ في ظل الظروف التي جعلت فيها الحرب والضغوط الدولية مستقبل البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية الإيرانية وضرورة الحفاظ على قدراته قضية هامة، يكتسب السؤال حول جدوى هذه التقنية لحياة المواطنين أهمية بالغة أيضاً. فلماذا يجب التأكيد على الحفاظ على التكنولوجيا النووية وقدرة تخصيب اليورانيوم؟ وهل تحتاج دولة تواجه ضغوطاً اقتصادية وصعوبات معيشية إلى مثل هذه السعة؟
لا يمكن البحث عن إجابات لهذه الأسئلة فقط في المنشآت النووية، أو الحسابات السياسية، أو طاولات المفاوضات؛ بل يجب رؤية جزء من هذه الإجابة في المكان الذي تترابط فيه العلوم والتكنولوجيا بصحة الإنسان وحياته؛ ألا وهو المستشفى.
بالنسبة للمريض الذي خاض رحلة علاج السرطان، لا تُعد المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية مجرد إنجاز علمي فحسب، بل غالباً ما يرتبط الأمل بالشفاء بالوصول إلى هذه الأدوية نفسها. لقد اختبرتُ هذا الترابط عن قرب قبل سنوات، عندما راجعتُ مستشفى شريعتي في طهران باعتباره أحد مراكز العلاج النووي لعلاج سرطان الغدة الدرقية وخضعتُ للعلاج باليود المشع.
وبين المرضى الذين كانوا ينتظرون العلاج برفقة عائلاتهم، لم تعد التكنولوجيا النووية مفهوماً بعيداً عن الحياة اليومية أو موضوعاً محصوراً في النزاعات السياسية؛ بل كانت علماً قادراً على أداء دور محوري في مسار علاج المرضى.
اليوم، في ظل الظروف التي استعاد فيها النقاش حول مستقبل البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية الإيرانية وضرورة الحفاظ على قدراته أهميته مرة أخرى، فإن العودة إلى تلك التجربة تحمل معنى يتجاوز كونها مجرد ذكرى شخصية. لا تقتصر التكنولوجيا النووية على التخصيب والأنشطة المرتبطة بدورة الوقود فحسب؛ بل إن تطبيقاتها الطبية تؤدي دوراً حيوياً في تشخيص وعلاج بعض الأمراض، بما في ذلك السرطان. هذه التطبيقات وحدها لا تشكل إجابة عن جميع الأسئلة السياسية والاقتصادية حول البرنامج النووي، لكنها تذكّر بأن النقاش حول هذه التكنولوجيا يمتلك بُعداً إنسانياً وعلاجياً أيضاً؛ وهو بُعد قد يُلاحظ بشكل أقل في صخب النزاعات.
رواية من سنوات مضت واستمرار ضرورة قائمة
قبل خمسة أعوام، سعى تقرير بعنوان «ملامسة إنجاز في ظل العقوبات» إلى تصوير هذا الترابط بين التكنولوجيا وحياة المرضى عن قرب. وركّز التقرير على تجربة العلاج باليود للمرضى المصابين بسرطان الغدة الدرقية في مستشفى شريعتي في العاصمة طهران، وعلى دور اليود-١٣١ في استكمال العلاج بعد الجراحة؛ وهي تجربة أظهرت أن ثمار التقدم العلمي قد تُرى أحياناً، لا في المختبرات والإحصاءات الرسمية، بل في غرف العلاج وحياة المرضى الذين يحتاجون إلى هذه الإنجازات.
وفي التقرير نفسه، نُقل عن إحصاءات ذلك الوقت أن نحو ٧٠٠ ألف إلى مليون مريض في البلاد يحتاجون سنوياً إلى المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية، وأن نحو ٢٠٠ مركز للطب النووي يزاول نشاطه. كما أُشير إلى دور منظمة الطاقة الذرية في توفير المواد والمستحضرات الصيدلانية الإشعاعية التي تحتاج إليها هذه المراكز. وقدّمت هذه الأرقام صورة عن الوضع المعلن في عام ٢٠٢١؛ وهي صورة أظهرت أهمية هذا المجال في الطب آنذاك؛ لكن السؤال عن أهمية التكنولوجيا النووية في الطب ظل قائماً خلال هذه الأعوام الخمسة: إلى أي مدى تطورت هذه القدرة، وما موقعها اليوم في تلبية الاحتياجات العلاجية للبلاد؟
وتعيد تصريحات محمد إسلامي رئيس منظمة الطاقة الذرية، في ٨ أكتوبر ٢٠٢٦، هذا الموضوع إلى واجهة النقاش. فقد أعلن، خلال مراسم افتتاح أول مركز جامعي لتشخيص سرطان الأطفال وعلاجه في البلاد، أن نحو ٧٨ منتجاً من المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية يُنتج ويُطرح في إيران بصورة مستمرة، في إطار التعاقد مع منظمة الغذاء والدواء. وأضاف إسلامي: أن أكثر من ٢٠ منتجاً آخر لا يزال في مرحلة الدراسات السريرية، ويمكن إضافته إلى مجموعة المنتجات الصيدلانية الإشعاعية في البلاد بعد استكمال المراحل اللازمة والحصول على التراخيص من وزارة الصحة.
كما أعلن إسلامي عن خطة لإنشاء خمسة مراكز للسيكلوترون بحلول نهاية خطة التنمية السابعة؛ وهي مراكز يمكن أن يسهم تطويرها في تعزيز البنية التحتية لإنتاج بعض المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية المستخدمة في تشخيص الأمراض. وتُظهر هذه الخطة، إلى جانب الإحصاءات المعلنة بشأن المنتجات الصيدلانية الإشعاعية، أن تطوير هذا المجال ما يزال يُطرح بوصفه أحد محاور نشاط الصناعة النووية في البلاد.
من الاستخدام السريري إلى الحدّ من الهشاشة في ظروف العقوبات
لفهم أهمية هذه الإحصاءات، لابدّ من النظر إلى استخدام المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية في منظومة الصحة. فالطب النووي يستخدم المواد المشعة لفحص وظائف الأعضاء، وتشخيص بعض الأمراض، وعلاج حالات محددة من السرطان. وتساعد بعض هذه المستحضرات الأطباء على تقييم العمليات الحيوية في الجسم، بينما تُستخدم بعضها الآخر، بحسب نوع المرض وحالة المريض، لاستهداف الخلايا المريضة. وعليه، فإن هذه التكنولوجيا لا تقتصر على نوع واحد من السرطان أو طريقة علاج واحدة؛ بل تُعد جزءاً من أدوات التشخيص والعلاج في الطب المعاصر.
اليود-١٣١ على سبيل المثال أحد النماذج الواضحة لهذا الاستخدام. فمن هذه المادة الصيدلانية الإشعاعية يُستخدم لبعض المرضى المصابين بسرطان الغدة الدرقية، بناءً على تشخيص الطبيب، للقضاء على النسيج الدرقي المتبقي أو الخلايا السرطانية الحساسة لليود. وبالنسبة للمرضى المحتاجين إلى العلاج باليود، يُعد توفير الدواء في الوقت المناسب جزءاً من مسار العلاج؛ وهو أمر يُبرز أهمية الإنتاج ومراقبة الجودة والتوزيع المنظم للمستحضرات الصيدلانية الإشعاعية. من هذه الزاوية، لا يمكن قياس تطوير التكنولوجيا النووية في المجال الطبي فحسب بعدد المنتجات المنتَجة أو الإنجازات البحثية. فالسؤال الأهم هو إلى أي مدى يمكن لهذه القدرة أن تغطي احتياجات المراكز العلاجية، وتحافظ على استمرار وصول المرضى إلى الدواء، وتقلل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية. ويصبح ارتفاع عدد المنتجات إنجازاً ملموساً للمجتمع عندما تظهر نتائجه في توفّر الدواء واستمرارية العلاج وإتاحة استخدام المرضى للخدمات الطبية.
وتزداد أهمية هذا الموضوع في ظروف العقوبات والحرب. فتوفير الدواء والمعدات الطبية يعتمد على سلسلة من المواد الأولية والمعدات المتخصصة والنقل والتوزيع. وأي خلل في هذه السلسلة قد يشكّل تحدياً للمراكز العلاجية؛ لاسيّما في المجالات التي تكون فيها بعض المواد المشعة قصيرة العمر، ويجب أن تُنتَج وتُستهلَك خلال فترة زمنية محددة. ويمكن لامتلاك المعرفة التقنية والبنية التحتية للإنتاج الداخلي أن يقلل جزءاً من هشاشة هذه السلسلة، وإن لم يكن بذاته بديلاً عن الحاجة إلى المواد الأولية والمعدات والرقابة النوعية والتخطيط للتوزيع الفعّال. وفي هذا الإطار، لا يعني تطوير القدرات الداخلية ببساطة الاكتفاء الذاتي في إنتاج منتج واحد؛ فالمسألة هي إتاحة استمرار الخدمات العلاجية في الظروف الصعبة. وعندما يحتاج مريض إلى مادة صيدلانية إشعاعية محددة، تُقاس أهمية هذه القدرة في نهاية المطاف بمعيار واحد: هل يصل الدواء إليه في الوقت اللازم وبجودة معتمدة؟ هذا السؤال هو حلقة الوصل بين التخطيط العلمي والصناعي والاحتياج الحقيقي للشعب.
فوق الإحصاء؛ نظرة إلى مستقبل الصحة والعلاج
في النقاشات الدولية حول البرنامج النووي السلمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تركز الأنظار عادةً على التخصيب والأنشطة النووية والمخاوف الأمنية. وفي هذا السياق، تُعد التطبيقات الطبية للتكنولوجيا النووية جزءاً من واقع هذا المجال أيضاً؛ وهي تطبيقات تحتاج إلى معرفة متخصصة وبحث ومعدات وبنية تحتية مناسبة. وفي الحقيقة، فإن تطوير الطب النووي والحفاظ على المعرفة المتخصصة وامتلاك البنية التحتية اللازمة أمران مهمان لتلبية الاحتياجات العلاجية للبلاد.
وتوفر تصريحات محمد إسلامي في ٨ أكتوبر ٢٠٢٦ حول الإنتاج المستمر لـ٧٨ منتجاً من المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية، ووجود أكثر من ٢٠ منتجاً آخر في مرحلة الدراسات السريرية، فرصة لبحث هذه المسألة: هل نجح ارتفاع القدرة العلمية والإنتاجية في تحسين وصول المرضى إلى العلاج أيضاً؟ والإجابة الدقيقة عن هذا السؤال مرتبطة بمعلومات حول حجم إنتاج وتوزيع كل منتج، واحتياجات المراكز العلاجية، وحالة وصول المرضى إلى الدواء. ومع ذلك، من الواضح أن تقييم التقدم في هذا المجال يجب أن يتجاوز إحصاءات الإنتاج ليشمل نتائجه بالنسبة لمنظومة الصحة والمرضى أيضاً. ولا تزال أهمية هذا الموضوع مرتبطة بصورة المرضى الذين كانوا حاضرين برفقة عائلاتهم في قسم العلاج باليود في مستشفى شريعتي. التكنولوجيا النووية ليس فقط بوصفها مفهوماً علمياً أو موضوعاً سياسياً، بل في ارتباطها باحتياج أناس كانوا يعتمدون عليها للعلاج. وتحافظ هذه التجربة نفسها، بعد خمس سنوات، على بقاء السؤال الرئيسي حياً: متى يمكن للتقدم العلمي أن يسهم في صحة الشعب؟
وفي نهاية المطاف، يجب البحث عن ضرورة امتلاك التكنولوجيا النووية في المجال الطبي في هذا الترابط ذاته بين المعرفة والقدرة الإنتاجية وحق المرضى في الوصول إلى العلاج. في ظروف الحرب والضغوط الخارجية، يمكن للحفاظ على هذه القدرة وتطويرها أن يشكل جزءاً من استراتيجية صمود منظومة الصحة؛ أما قياس قيمتها الحقيقية فيتوقف على مدى استفادة المرضى من إنجازاتها. فبين حق امتلاك المعرفة والتكنولوجيا وحق الوصول إلى العلاج توجد فجوة يجب ملؤها بالإنتاج المستمر والتوزيع الفعّال والاستجابة للاحتياجات الحقيقية للمرضى.
البحث
الأرشيف التاريخي