الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • ملحق خاص
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وثلاثة وثمانون - ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وثلاثة وثمانون - ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

الرواية السادسة: الشهيد الحاج أكبر خاجي

الـسـيّـد سـعـيـد

كان الشهيد الحاج أكبر خاجي، المعروف بـ«السيّد سعيد»، عضواً في المكتب الخاص لقائد الثورة الإسلامية الشهيد؛ رجلٌ التحق بديوان رئاسة الجمهورية عام 1363هـ.ش (1984م)، ليواصل بعدها خدمته في مقر القيادة. كان مَضْرِبَ المثل في الإخلاص والتواضع في عمله، وأباً عطوفاً في أُسرته. ارتقى «السيّد سعيد» شهيداً في 9 إسفند 1404هـ.ش (28 شباط/ فبراير 2026م) في مقر عمله بمكتب القيادة إلى جوار قائد الثورة الشهيد. واستكمالاً لملف «رجال صدقوا» -المخصص للتعريف بشهداء فريق الحماية ومكتب قائد الثورة الإسلامية في الحرب المفروضة الثالثة- تنشر منصة KHAMENEI.IR الإعلامية جوانب من المسيرة الوضّاءة للشهيد الحاج أكبر خاجي، المعروف بـ«السيّد سعيد»، والمستقاة من حوار أُجري مع أسرته.

في لقاء ساده الدفء وعبق الإيثار بمنزل الشهيد الحاج أكبر خاجي، تناولت زوجة الشهيد -بصبرٍ استمدّته من عقود من مرافقة رجلٍ نذر نفسه للخدمة والولاية- أطراف الحديث، لتعود بنا إلى سنوات بعيدة في عقد الثمانينيات؛ حين دخل الحاج أكبر رحاب مكتب القيادة بلقب «السيّد سعيد»، وهو الاسم الذي اختاره له سماحة القائد بنفسه.
كان الجلوس في بيت الشهيد الحاج أكبر خاجي أشبه بتصفُّح كتابٍ نُسج من الإخلاص ونكران الذات؛ فحين كان يتحدّث عنه عقيلته وأبناؤه، لم يكونوا يصفون موظفاً إدارياً، بل كأنما يتحدّثون عن ظلٍّ لازم شمسَ القيادة والولاية لسنوات طوال بكل سكينة ووقار.
تبدأ فصول حكايته من عام 1338هـ.ش (1959م)، غير أن المنعطف الأبرز كان في عام 1363هـ.ش (1984م) حين التحق بديوان الرئاسة. وتستحضر زوجته تلك الأيام مستذكرةً أنه عندما طلب القائد الشهيد من سكرتيره آنذاك السيّد محمدي دوست اختيار شخصٍ يلازمه ويكون عوناً له، طُرح اسم خاجي. ومنذ اليوم الأول في مقر العمل، لقّبه القائد بـ«آقا سعيد» أي «السيّد سعيد»، وعُرفت الغرفة التي باشر فيها مهامه مذّاك بـ«غرفة السعيدَين»؛ نسبةً إلى السيّد سعيد خاجي والسيّد سعيد صاحبدل.
تروي الأسرة أن الحاج أكبر كان قبل ذلك معلّماً للصف الأول الابتدائي ومدرّساً لمادّتي القرآن والتربية الدينية في «مدرسة المؤتلفة»؛ ولم ينقطع عن التدريس حتى إبان فترة الرئاسة، غير أنه بمجرد دخوله مكتب القائد، اختُزل وجوده كلّه في الطاعة والامتثال. وتقول زوجته: «كان يصرّ دوماً على وجوب الاستئذان قبل الإقدام على أي أمر». واتسمت وتيرة حياته خلال تلك السنوات بنظام استثنائي؛ فإبان جائحة كورونا، كان جدوله ينقسم إلى أسبوع في الحجر الصحي، وأسبوعين في خدمة القائد الشهيد، وأسبوع في البيت. وطوال تلك الفترة، امتنع عن الذهاب إلى أي مكان أو استقبال أي ضيف في منزله، خشية أن ينقل العدوى إلى مقر القيادة.
كان يرافق القائد الشهيد في زيارتين سنويتين إلى مشهد المقدسة. وخلال حرب الاثني عشر يوماً، استغرق في عمله بالمكتب لدرجة منعته من العودة إلى المنزل لفترات طويلة، فكان لا يمرّ على عائلته إلّا مرة واحدة كل ثلاثة أيام.
كان كيان الشهيد خاجي مكرّساً بأكمله لخدمة القائد الشهيد، حتى إنه كان يقول إنه أثناء وجوده في المكتب، يبذل أقصى جهده للبقاء داخل غرفته لئلّا يُقرع جرس النداء ويطلبه القائد في أمر ما ولا يجده حاضراً.
تحدّث نجله محمدرضا وكريمته زهراء عن أبٍ تجذّر كتمان السرّ في أعماقه؛ فإذا ما سُئل عن تفاصيل عمله، أجاب بلطف وحزم في آن واحد: «لا تسألوني مثل هذه الأسئلة». وكانت تجمعه بالشهيد الحاج سعيد صاحبدل أواصر صداقة وثيقة كأنهما شقيقان.
تتحدّث زوجته بعَبرة تخنقها عن ذلك السبت الحزين في 9 إسفند (٢٨ شباط/ فبراير)، والذي وافق موعد تبادل نوبة العمل بين الشهيدين صاحبدل وخاجي، قائلة: «اتّصلتُ بزوجة الشهيد صاحبدل في الحادية عشرة والنصف صباحاً ثم في الثانية والنصف ظهراً؛ وحين أخبرتني بأن السيّد صاحبدل لم يعد، تيقّنت في تلك اللحظة بالذات أن السيّد سعيد قد نال الشهادة أيضاً».
كانت المحطات البارزة في حياة هذا الشهيد الجليل عامرة بألطاف القائد الشهيد؛ وتروي عقيلته أنه في أحد مجالس العزاء الخاصة، قال القائد: «نحن نثقل على السيّد سعيد كثيراً؛ وكل عمل يقوم به السيّد سعيد، فلكم نصف ثوابه»، فأجابته زوجة الشهيد بابتسامة صادقة: «سيّدنا! إن السيّد سعيد هو ابنكم الخامس».
بلغت هذه المودّة حدّاً كان القائد الشهيد يراه فيه وهو يعمل حتى ساعات متأخرة، فيخاطبه بعطف: «لماذا لا تزال هنا حتى الآن؟ اذهب إلى عائلتك». تروي ابنته زهراء عن أبٍ صار في أواخر أيامه شديد الشبه بالقائد الشهيد في نظرته وسلوكه، لدرجة أن مجرد رؤية منام بسيط عن السيّد القائد كانت كفيلة بإجراء الدموع من عينيه. واستذكرت كيف كان حفيدهم الصغير مضطرباً وباكياً بشدّة، وما إن احتضنه القائد الشهيد حتى هدأ وسكن، وكأن طمأنينة روحه أطفأت بكاء الطفل. كان المشهد الأكثر إيلاماً ما جرى في دائرة الطب العدلي «معراج الشهداء»، حيث لم يُسمح لهم برؤية وجه الشهيد؛ وتقول زوجته: «لم يُكشف عن وجهه؛ ولم أرَ سوى شفتيه في القبر». ورغم كل هذا الألم، قالت الزوجة بقلب مطمئن وراضٍ: «أنا راضية تماماً بنيله الشهادة، ولا سيّما أنه ارتقى في ركاب السيّد القائد».
رحل الحاج أكبر خاجي، أو «السيّد سعيد» كما عُرف في مقر القيادة، مُخلّفاً وراءه إرثاً ساطعاً من الوفاء؛ فلم يكن مخلصاً في عمله فحسب، بل كان أباً عطوفاً في كنف أسرته.
واليوم، ورغم أن البيت بات خالياً من حضوره، إلا أنه يفيض بذكريات رجل برهن على أن خدمة ولي الأمر هي أسمى رتبة يمكن أن ينالها إنسان. وحقاً، لقد «عاش سعيداً ومات سعيداً».
البحث
الأرشيف التاريخي