تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
غلاء المعيشة يُعيد رسم الخريطة السياسية لأوروبا
احتجاجات متصاعدة وغضب شعبي متنامٍ يُقلق الحكومات الأوروبية
فرنسا.. الغلاء يُشعل الشارع ويعمّق الضغوط السياسية والمالية
في فرنسا، اتخذ الغضب في الأيام الماضية منحىً عنيفًا، بعدما خرجت احتجاجات واسعة على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، وامتدت من الطلاب إلى النقابات وفئات اجتماعية أخرى.
ولم تبقَ المواجهات في حدود التظاهر السلمي؛ إذ شهدت مدن عدة أعمال تخريب ونهب واعتداءات، وأعلنت السلطات توقيفات وإصابات في صفوف الشرطة. وتكتسب الأزمة الفرنسية دلالتها من تراكم الضغوط الاقتصادية والسياسية؛ فوفق تحليل نشرته صحيفة «لوموند» في 20 أكتوبر/ تشرين الأول، ارتفعت كلفة المعيشة في فرنسا بنسبة 23.4% منذ تولي إيمانويل ماكرون الرئاسة عام 2017، فيما تضررت الأسر الأقل دخلًا بصورة أكبر بسبب وزن الغذاء والطاقة في ميزانياتها.
ويتصاعد هذا الاحتقان الاجتماعي في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، إذ تمنح الأزمة القوى المعارضة فرصة لتقديم نفسها بديلًا، لكنها تضعها أيضًا أمام سؤال صعب: هل تملك خططًا قابلة للتنفيذ لمعالجة السكن والأجور والخدمات، أم ستكتفي بتوظيف الغضب ضد السلطة القائمة؟ وفي موازاة ذلك، تراقب الأسواق المالية التطورات الفرنسية بحذر؛ فقد أوردت «فايننشال تايمز» أن عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات ارتفع إلى 4.93% في أعقاب الاضطرابات، وسط قلق بشأن الوضع المالي وعدم اليقين السياسي، لتتشابك بذلك أزمة غلاء المعيشة مع الضغوط السياسية والمالية، وتضع فرنسا أمام تحدٍّ يتجاوز احتواء الاحتجاجات إلى معالجة أسبابها واستعادة الثقة.
من غلاء المعيشة إلى تراجع الثقة بالحكومات
لا يمكن اختزال المشهد الأوروبي في عاملٍ واحد. فارتفاع الأسعار، وأزمة السكن، وضغط الموازنات العامة، والخلاف على إصلاح أنظمة التقاعد والخدمات، تتداخل بنسب مختلفة من بلدٍ إلى آخر. لكن القاسم المشترك هو شعور متزايد بأن التضحيات المطلوبة من المواطنين لا تقابلها نتائج ملموسة، وأن القرارات التي تُتخذ باسم الاستقرار المالي قد تُترجم في الحياة اليومية إلى خدمات أقل، وقلق أكبر، وفرص أضيق. في بلجيكا، خرجت النقابات والطلاب في تحركات ضد إجراءات التقشف وخفض الإنفاق. وشهدت بروكسل في 9 أكتوبر/ تشرين الأول مواجهات بين الشرطة ومحتجين خلال إضراب وطني، في مؤشر إلى أن الخلاف لا يتعلق بتفصيل مالي معزول، بل بتوزيع كلفة الإصلاح ومن يتحمل تبعاته. أما في البرتغال، فتتقدم أزمة السكن إلى واجهة الصراع الاجتماعي. ففي لشبونة، تظاهر مئات الأشخاص في مارس / أذار2026 احتجاجًا على ارتفاع تكاليف السكن، مطالبين بتنظيم الإيجارات واتخاذ إجراءات تخفف أعباء القروض العقارية وتمنح الشباب فرصة لبناء حياة مستقرة.
وفي إيطاليا، ترافقت تحركات اجتماعية مع اعتراضات على الأجور والخدمات والسياسات الاقتصادية، فيما شهدت بعض المدن مواجهات بين المحتجين والشرطة. غير أن تكرار الاحتجاجات يكشف حجم الضغط الواقع على الحكومات عندما تتقاطع المخاوف المعيشية مع الشعور بأن المؤسسات لا تستجيب بالسرعة المطلوبة.
ألبانيا.. صراع على الأرض والشفافية وحدود الاستثمار
في ألبانيا، اتخذ الاعتراض بعدًا سياسيًا وبيئيًا واضحًا. فقد شهدت تيرانا تظاهرات ضد مشروع منتجع سياحي فاخر مرتبط بجاريد كوشنر، صهر ترامب، في منطقة زفيرنيك الساحلية الحساسة بيئيًا. ورفع محتجون شعارات تؤكد أن البلاد ليست للبيع، مع اعتراضات تتعلق بحماية الأراضي والشفافية وشروط الاستثمار، فيما دافع رئيس الوزراء إيدي راما عن ضرورة تقييم المشروع وفق الاعتبارات العلمية والبيئية. وتحوّل المشروع إلى رمز أوسع للخلاف على العلاقة بين السلطة ورأس المال، وعلى من يقرر مستقبل المناطق ذات القيمة البيئية والسياحية.
جيل الشباب أمام انسداد الأفق المعيشي
يقف الشباب في قلب جانب كبير من هذا الغضب. فالمسار الذي كان يُقدَّم بوصفه وعدًا اجتماعيًا واضحًا من دراسة تؤدي إلى وظيفة، ووظيفة تتيح الاستقلال، ودخل يسمح بالسكن وتكوين أسرة ، بات يبدو أكثر تعقيدًا وأقل ضمانًا. وقد يحصل الشاب على شهادة جامعية من دون أن يجد عملًا مستقرًا، أو يجد عملًا لا يكفي لتغطية تكاليف السكن والنقل والطاقة.
لكن لا ينبغي افتراض أن هذا الغضب سيصب تلقائيًا في مصلحة اليسار أو اليمين المتطرف أو أي قوة معارضة. فقد يتحول إلى دعم انتخابي لبديل سياسي، أو إلى انقسام بين تيارات متنافسة، أو إلى عزوف عن المشاركة نتيجة فقدان الثقة بالجميع. والرهان الحقيقي يكمن في قدرة الأحزاب على تقديم حلول قابلة للتطبيق بدل تحويل المعاناة إلى شعارات انتخابية.
هل تتحول الأزمات المحلية إلى تحدٍ أوروبي مشترك؟
يصبح المشهد أكثر تعقيدًا عندما تتزامن الضغوط الاجتماعية في عدة دول مع خلافات حول الإنفاق والدين والسياسات الصناعية والدفاعية. فالاضطرابات لا تعني تلقائيًا تهديدًا مباشرًا لليورو، لكنها قد تزيد صعوبة التوصل إلى توافق أوروبي في وقت تواجه فيه القارة تحديات اقتصادية وجيوسياسية متشابكة.
وتكتسب فرنسا وألمانيا أهمية خاصةً في هذا السياق، بالنظر إلى ثقلهما داخل الاتحاد الأوروبي. فإذا انشغلت الحكومات بأزمات داخلية ممتدة، فقد يصبح الاتفاق على سياسات مشتركة أكثر صعوبة، سواء في مجالات الصناعة والطاقة والدفاع أو في قواعد الموازنات العامة.
والخطر الأكثر واقعية ليس انهيارًا وشيكًا للنظام الأوروبي، بل تراكم أزمات صغيرة وكبيرة تستنزف ثقة المواطنين وتحد من قدرة الحكومات على التحرك. فعندما تصبح القرارات الاقتصادية موضع نزاع اجتماعي دائم، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، وتتعثر الحكومات في تقديم استجابات مقنعة، يتحول كل ملف جديد إلى شرارة محتملة لأزمة أوسع.
أوروبا أمام أزمة شرعية متصاعدة
قد تنجح الحكومات في إخماد الاحتجاجات وإعادة الهدوء إلى الشوارع، لكنها لن تنهي غضبًا تغذّيه الأزمات المعيشية وارتفاع الأسعار والبطالة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة. فالقوة الأمنية لا تعالج الفقر، والوعود السياسية لا تستعيد ثقة المواطنين، ما دامت السياسات عاجزة عن توفير حياة كريمة. وتكشف هذه الاحتجاجات اتساع الفجوة بين الحكومات والشعوب، وتزايد الشعور بأن الفئات الضعيفة تتحمل كلفة الأزمات وحدها.
