الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • ملحق خاص
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وواحد وثمانون - ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وواحد وثمانون - ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

الرواية الرابعة: الشهيد الحاج سعيد صاحبدل

صاحب بصيرة وقلب مُنير

ارتقى الشهيد الحاج سعيد صاحبدل، عضو مكتب قائد الثورة الإسلامية الشهيد، في 9 إسفند 1404هـ.ش (28 شباط/ فبراير 2026م) في مقر عمله بمكتب القيادة إلى جوار قائده؛ رجلٌ أفنى عقوداً في كنف الصمت والأمانة والإخلاص، ودون أن يبتغي شهرة أو ذكراً، مجسّداً نموذجاً في الالتزام بأداء الواجب، وكتمان السرّ، وشظف العيش والزهد. وكان قد التحق بالعمل إلى جانب قائد الثورة الشهيد منذ فترة رئاسته للجمهورية، ثم انتقل برفقته إلى مكتب القيادة. واستكمالاً لملف «رجال صدقوا» -المخصص للتعريف بشهداء فريق الحماية ومكتب قائد الثورة الإسلامية في الحرب المفروضة الثالثة- تنشر منصة KHAMENEI.IR الإعلامية جوانب من المسيرة الوضّاءة للشهيد الحاج سعيد صاحبدل، عضو مكتب قائد الثورة الإسلامية الشهيد، والمستقاة من حوار أُجري مع أسرته.

في تاريخ الثورة الإسلامية، برزت دوماً أسماء وقامات لم تتجلَّ عظمتها في كثرة الكلام، ولا في الصخب الإعلامي، ولا في مظاهر التباهي الدنيوية العابرة؛ بل صيغت قيمتها في صمت الخدمة، وطهارة النية، وأمانة السلوك، والثبات في مضمار الواجب. هم كواكب قد تخفى على العيون في ظاهر السماء، غير أنها تنير الدرب للسالكين؛ رجالٌ لا تُختزل سيرتهم في السجلات الإدارية والألقاب الرسمية، بل تخلد في الذاكرة المعنوية للأمة بفيض الوفاء، والصدق، والأدب، والإخلاص، والشهادة.
انطلقت مسيرة خدمته منذ السنوات الأولى لانطلاق الثورة؛ حيث التحق -عبر السيّد محمدي دوست، سكرتير الإمام المجاهد الشهيد إبان فترة رئاسته للجمهورية وبدايات عهد القيادة- بديوان رئاسة الوزراء في حكومة الشهيد رجائي، ثم انتقل إلى ديوان الرئاسة. ولم تكن ملازمته للشهيد رجائي مجرد تجربة وظيفية عابرة، بل غدت مدرسة تعلّم فيها البساطة، والدقّة في الوقت، ومراعاة الناس، وحفظ الأمانة. ففي مدرسة رجائي، أدرك المرء كيف يمكن أن يكون في صلب السلطة دون أن تأسره، وكيف يتولى المسؤولية دون أن يرى نفسه فوق الناس.
بعد سنوات، وخلال اجتماع حضره إلى جانب السيّد محمدي دوست في مكتب قائد الثورة الشهيد، دخل القائد الشهيد الغرفة، وخاطب الحاج سعيد قائلاً: «هل جئت لتنضمّ إلينا وتعمل معنا؟» فأجاب الحاج سعيد ببساطته المعهودة بأنه منشغل بجمع الوثائق في ديوان الرئاسة، فردّ قائد الثورة الشهيد: «جمع الوثائق بمقدور الآخرين إنجازه أيضاً؛ تعال أنت إلى مكتبنا». ولم تكن تلك الدعوة مجرد نقل لمكان العمل، بل كانت برهاناً ساطعاً على حجم الثقة الراسخة في شخصه وخلقه.
كان الحاج سعيد من أولئك الرجال الذين تسبق أفعالُهم أقوالَهم؛ هادئ، دقيق، قليل الكلام، دمث الأخلاق، وأمين. وتكشف إحدى الروايات المتداولة عن أمانته عمق هذا الخلق لديه؛ إذ حمل يوماً رسالة إلى قائد الثورة الشهيد، فأبلغه سماحته بأن الرسالة مكررة؛ ولم يكن الحاج سعيد على علم بذلك مسبقاً، لأنه كان يعفّ عن قراءة الرسائل السرّية ولا يجيز لنفسه تجاوز حدود مسؤوليته المحددة. وقد تبدو هذه الحادثة بسيطة في ظاهرها، غير أنها تبرهن على أنه لم يكن يرى الأمانة في حفظ ما يعلمه فحسب، بل في الامتناع الواعي عن معرفة ما ليس من حقّه الاطلاع عليه.
كان يدرك الحدود ويرعاها حق رعايتها؛ حدود الكلمة، والوثائق، والأشخاص، والمسؤولية، والمال العام. ولم يجعل من قربه من دائرة صنع القرار ذريعةً للخيلاء أو التفاخر؛ فما سمعه لم يجعله رصيداً شخصياً، وما علمه لم يتخذه سلماً للشهرة. ورغم أنه لازم لسنوات مواقع ومعلومات تثير مطامع الكثيرين، إلا أنه كلما ازداد قرباً من مركز الثقة، ازداد صمتاً وتواضعاً. وكان لقبه «صاحبدل» (صاحب بصيرة وقلب مُنير) يليق به تماماً؛ إذ كان قلبه عامراً بالإيمان والوفاء لواجبه.
ولم تقتصر هذه الروح على بيئة العمل الإداري؛ فقد كان شغوفاً بالتربية والتعليم، وحين عزم على التدريس في المدارس خارج أوقات الدوام الرسمي، حظي بمباركة قائد الثورة الشهيد وموافقته؛ فلم تكن الخدمة في ناظريه محصورة في الجدران والمكاتب والملفات، بل رأى في الحضور بين صفوف التلاميذ وتربيتهم امتداداً للرسالة ذاتها.
عاين الحاج سعيد خلال سنوات خدمته تجليات البساطة والانضباط الأخلاقي لدى قائد الثورة الشهيد عياناً؛ بدءاً من فصل حسابات النذورات عن أموال الحقوق الشرعية، وصولاً إلى تفقد الفقراء، وصون بيت المال، وتجنب مظاهر الترف. وعندما اقترح كوادر المكتب استبدال حُصر وأفرشة الحسينية والمكتب بأخرى جديدة، شهد الحاج سعيد كيف أبدى القائد الشهيد رفضه لذلك، حرصاً منه على دعم العامل الإيراني البسيط وصون الحرف اليدوية الوطنية، ورغبةً منه في الابتعاد عن حياة البذخ والتمسك بالعيش المتواضع.
في حياته الشخصية، كان لأسرته سهم وافر في هذا المسار الجهادي؛ فعقود الخدمة في المواقع الحساسة والمهام الجسيمة لم تكن تثقل كاهله وحده، بل تقاسمتها معه عائلته بصبر واحتساب أمام الغياب المتكرر وصعوبات الطريق. وكان الحاج سعيد بدوره يدرك قيمة هذا الوفاء ولا يغفل عن تضحيات أسرته الصامتة.
حين اندلعت حرب الاثني عشر يوماً المفروضة، تواترت الشواهد عن هدوئه وسكينته البالغة؛ ففي تلك الأيام العصيبة، وعندما تعذّر توفير الملاجئ لعموم الناس وامتنع قائد الثورة الشهيد عن النزول إلى الملجأ للسبب ذاته، ردَّد عبارة سماحته الراسخة: «هذه البلاد هي بلاد إمام الزمان(عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ولن يصيبها أي سوء». وفي خضمّ تلك الأجواء، ظلّ الحاج سعيد ذلك الخادم الرزين الملتزم بواجبه حتى اللحظة الأخيرة.
لم يكن استشهاده في 9 إسفند 1404هـ.ش (28 شباط/ فبراير 2026م) -عقب عقود من الإخلاص إلى جانب قائده الشهيد- حدثاً منفصلاً عن سيرته؛ بل كان تتويجاً لمسارٍ شُيّد على الإيمان والأمانة والوفاء. فثمة أناس يعيشون بنَفَس الشهادة قبل نيلها: بلا ادّعاء، وبكامل المسؤولية، ابتغاءً لوجه الله؛ ومن ثَم، فإن الشهادة ليست نهاية مطافهم، بل إشراقاً لحقيقة استقرت طويلاً خلف ستار الصمت.
دُفِنَ جثمان الشهيد الحاج سعيد صاحبدل الثرى في القطعة 42 بمقبرة جنّة الزهراء(س)، غير أن ذكراه ستبقى حيّة في وجدان كل مَن عرف الخدمة الصادقة البعيدة عن الأضواء. لقد علّمنا كيف يقترب المرء من مكامن الأسرار ويظل أميناً، وكيف يجاور الكبار متناسياً ذاته، وكيف يفني سني عمره في الخدمة طالباً جزاءه من الله وحده.
فسلامٌ على الحاج سعيد صاحبدل؛ وسلامٌ على خدّام الثورة الصامتين؛ سلامٌ على مَن جاؤوا في هدوء، وعاشوا دون ادّعاء، وخلّدتهم الشهادة في عليين.
البحث
الأرشيف التاريخي