الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • ملحق خاص
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وتسعة وسبعون - ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وتسعة وسبعون - ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

الرواية الثانية: الشهيد السيّد مجيد طباطبائيان

امـتـزاج الـواجـب والـعـشـق

كان الشهيد السيّد مجيد طباطبائيان من كبار مسؤولي فريق حماية قائد الثورة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي؛ كرّس سني عمره منذ عام 1368هـ.ش (1989م) في مسار كتمان الأسرار، والتضحية، والوفاء في خدمة قائد الثورة الشهيد، حتى نال وسام الشهادة برفقته في مكتب القيادة يوم 9 إسفند 1404هـ.ش (28 شباط/ فبراير 2026م). واستكمالاً لمواد ملف «رجال صدقوا» -المخصص للتعريف بشهداء فريق الحماية ومكتب قائد الثورة الشهيد في الحرب المفروضة الثالثة- تنشر منصة KHAMENEI.IR الإعلامية جوانب من المسيرة الوضّاءة للشهيد السيّد مجيد طباطبائيان، أحد كبار مسؤولي فريق حماية قائد الثورة الشهيد، والمستقاة من حوار أُجري مع أسرته.

وُلِد الشهيد السيّد مجيد طباطبائيان في 18 خرداد عام 1337هـ.ش (8 حزيران/ يونيو 1958م) في مدينة أصفهان (وسط البلاد). وعادةً ما تمضي حياة أولئك الذين يشكّلون دروع الأمن والأمان في صمت وظلال بعيدة عن الأضواء؛ بيد أن المسألة لدى الشهيد طباطبائيان تجاوزت فكرة التواري عن الأنظار، لتتجسد في الفناء ونكران الذات أمام الهامة العظيمة التي هام بحبّها ووفائها.
وحين عبّر قائد الثورة الشهيد بنبرته المؤثرة عقب تقاعده، قائلاً: «أنا راضٍ عن خدمات السيّد طباطبائيان»، كانت تلك العبارة بمثابة وسام فخر تقلده هو وعائلته، ومحفزاً مدّد مسيرة مهامه الجديدة ورفقته الخالصة التي استمرت دون انقطاع على مدى 36 عاماً حتى لحظة ارتقائه شهيداً.
انطلقت مسيرته المهنية من أصفهان؛ ففي الحقبة التي شهدت تصاعد محاولات اغتيال أئمة الجمعة في أرجاء البلاد، حالت يقظته الميدانية واقتداره الأمني المشهود دون نجاح أي عملية اغتيال في المحافظة. وقاده هذا التميز المهني إلى العاصمة طهران، ليلتحق بالحلقة الأمنية الأكثر حساسية في البلاد والمتمثلة في حماية القائد الشهيد.
وهكذا خاض الشهيد طباطبائيان مساراً محفوفاً بالمسؤوليات الجسام والملتهبة؛ بدءاً من تولي مسؤولية حماية الشخصيات في محافظة أصفهان، مروراً بالعمل في جهاز استخبارات الحماية التابع لحرس الثورة، وصولاً إلى موقع قيادة نوبات الحراسة في فيلق حماية ولي الأمر.
وكانت حياة هذا الشهيد الجليل سلسلة من الامتزاج والتناغم البديع بين «أداء الواجب» و«فيض العشق»، إذ استقرّت سيرة قائد الثورة الشهيد وأخلاقه في وجدانه بعمق، وكما تروي زوجته: «لقد جسّد في تفاصيل حياته العملية كل خُلق وسلوك نهله من السيّد القائد». وكان شديد العزوف عن عدسات الكاميرات، لدرجة أن أسرته لا تحتفظ إلّا بنزر يسير من الصور له رغم تلك العقود الطويلة التي قضاها في أرفع مستويات الحراسة، ومن بين تلك اللقطات النادرة مشهد حضوره في 11 بهمن 1396هـ.ش (31 كانون الثاني/ يناير 2018م) في روضة الشهداء في جنّة الزهراء(س)، جنباً إلى جنب مع سماحة القائد الشهيد.
كان الشهيد طباطبائيان بالمعنى الدقيق للكلمة «ذائباً في حبّ قائد الثورة الشهيد»؛ ومن أولئك الصادقين الذين كانت تصفه أسرته بـ«صاحب الولاية المطلقة المستعدّ لاقتحام النيران» -على غرار أصحاب التسليم التام لأمر الإمام- فلو أشار قائد الثورة الشهيد بالدخول في أتون نار لما تردد لحظة واحدة. ولم تكن للألقاب والمناصب أي دلالة في ناظريه، وكان هذا الإخلاص المحض هو الذي قاده إلى محراب الشهادة والفداء. وتروي عائلته قائلة: «على الرغم من إلحاح الكثيرين عليه للتقاعد والخلود إلى الراحة، إلّا أن الوالد لم يكن يحمل حتى رمقه الأخير سوى أمنية واحدة: البقاء إلى جوار قائد الثورة الشهيد. فبالنسبة لأبي، كان أسمى مدارج الحياة وأشرف مواقفها -بعد الإمام المهدي(عج)- يتمثل تحديداً في ذلك الموضع الذي يرابط فيه إلى جانب قائد الثورة الشهيد. لقد عمل بكل جوارحه وروحه، ونحن نؤمن بكامل يقيننا بأن هذا الحضور التام وهذا البذل بالمهجة والروح هو ما ارتقى به نحو منازل الشهداء».
كانت زوجته الفاضلة قد عملت بدورها في جهاز حماية الأخوات بين عامي 1370 و1398هـ.ش (1991 و2019م)، وتستذكر أنه في إحدى مناسبات ذكرى ولادة السيّدة فاطمة الزهراء(س) خلال لقاء أقيم بحسينية الإمام الخميني(رض)، انتابها قلق بالغ جراء التدافع العاطفي والازدحام الشديد لعوائل الشهداء، فنذرت في سرّها: «ألّا يقع أي مكروه بنيّة أصحاب الكساء الخمسة». وانقضى اللقاء بهدوء وسكينة تامة. وعند المغادرة، استدعاها قائد الثورة الشهيد هي وزميلتها؛ فتقدّمت بوجل خشية وقوع أي تقصير، غير أن سماحته قابلهما بابتسامة شكر وتقدير، وأخرج من جيبه خمس أوراق نقدية من فئة ألف تومان وقدّمها إليها تبركاً. ونقل الشهيد طباطبائيان لكريمته الوصايا المستمرة التي كان يوجّهها القائد الشهيد لعناصر الحماية: «يجب مراعاة أحوال الناس، وتجنب إيذائهم أو التعامل معهم بغلظة وشدة». وكانت هذه الرؤية تحديداً هي ما جعلت فريق الحماية يتعامل بمنظومة أخلاقية رفيعة تتجاوز حدود الأداء الأمني الجاف.
وتجلت هذه الدقّة ومراعاة المشاعر حتى في أدقّ المواقف؛ فعلى سبيل المثال، حين كان يزور منازل أسر الشهداء، كان يحرص أشدّ الحرص على ألّا يتسبب أي تصرف مهما صغر في إحراجهم أو إزعاجهم. وكان النهج ذاته يسري حتى في زيارة أسر شهداء الأقليات الدينية؛ إذ كان سماحته يشدد على تناول الفاكهة أو الحلوى المقدّمة، وأن يقبل الجميع عليها برغبة وارتياح لبعث الطمأنينة في نفوسهم. اقترنت مسيرة حياة الشهيد طباطبائيان بمفارقة لافتة مع شهر رمضان المبارك؛ إذ أوضحت زوجته: «عقدنا قراننا في شهر رمضان عام 1359هـ.ش (1980م)، ونال الشهادة في شهر رمضان أيضاً (9 إسفند 1404هـ.ش - 28 شباط/ فبراير 2026م)».
وكأن كل شيء كان يتهيأ لهذا العروج والارتقاء؛ فقبل أيام قلائل من حلول شهر رمضان، سافر إلى مسقط رأسه أصفهان، وقصد «روضة الشهداء» وزار أضرحة الشهداء واحداً تلو الآخر، في رحلة كانت تفوح بعبير الوداع. لقد رحل السيّد مجيد طباطبائيان؛ لكن شهادته لم تكن في نظر أسرته مجرد حادث عابر، بل كانت استحقاقاً ومقاماً جديراً به. لقد بلغ ذلك الرجل -الذي نذر كيانه ووجوده كله لهذا النهج- مرحلة توحّدت فيها كل ذرّة من وجدانه مع غايته الكبرى، وباتت دماؤه بشارةً لتحقق ذلك الوعد الذي أطلقه قائد الثورة الشهيد حين قال: «إن شاء الله في القريب العاجل، سيبعث الله شعور النصر في قلوب كافة أبناء الشعب الإيراني». نصرٌ عظيم وبزوغ حضارة شامخة شيد هؤلاء الفدائيون المخلصون صروحها لبنةً لبنة بدمائهم الزاكية الطاهرة.
البحث
الأرشيف التاريخي