الرواية الأُولى: الشهيد الحاج عباس سعدآبادي
«لا أُطيق العيش بعد استشهاد السيّد»
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. كان الشهيد الحاج عباس سعدآبادي أحد مجاهدي فترة الدفاع المقدّس (العدوان الصدّامي على إيران الذي استمرّ نحو ثماني سنوات). التحق منذ عام 1363هـ.ش (1984م) بفريق حماية آية الله العظمى الإمام الشهيد السيّد علي الحسيني الخامنئي إبان فترة رئاسته للجمهورية، ليصبح بعد فترة وجيزة سائقه الخاص ويتولى كذلك مسؤولية وحدة النقل. وعقب عقود من العطاء المخلص، نال وسام الشهادة في 11 إسفند 1404هـ.ش (2 آذار/ مارس 2026م) إثر القصف المتجدد الذي استهدف محيط مكتب سماحته. وفي أول مادة ضمن ملف «رجال صدقوا» -المخصص للتعريف بشهداء فريق الحماية ومكتب قائد الثورة الشهيد في الحرب المفروضة الثالثة- تنشر منصة KHAMENEI.IR الإعلامية تقريراً موجزاً يُسلط الضوء على محطات من السيرة الوضّاءة للشهيد الحاج عباس سعدآبادي، سائق قائد الثورة الشهيد، والمستقاة من حوار مع أسرته.
عقب عودته إلى طهران، التحق بسلك حماية الشخصيات، لتبدأ في مرداد عام 1363هـ.ش (آب/ أغسطس 1984م) مرحلة جديدة في مسيرته المهنية؛ حيث انضمّ إلى فريق حماية آية الله الخامنئي إبان رئاسته للجمهورية، ثم ما لبث أن أصبح السائق الخاص لقائد الثورة الشهيد وتولّى إدارة وحدة النقل. وتروي أسرته أنه طوال تلك العقود، كان جلّ ما يعنيه هو أداء واجبه بدقة متناهية وصون الأمانة الملقاة على عاتقه؛ وهي أمانة لم تكن تنحصر في حماية شخصية قيادية فحسب، بل شملت الحفاظ على سكينة الناس، وأمنهم، وكرامتهم.
تتحدّث زوجة الشهيد الحاج عباس سعدآبادي عن دقته ومهارته الفائقة في القيادة، قائلة: «طوال 42 عاماً، لم يتعرض لحادث سير واحد قط».
ولم تقع سوى حادثة وحيدة إبان فترة رئاسة الجمهورية، حين اصطدمت السيارة التي كان يقودها في الطريق بين منزل قائد الثورة الشهيد ومقر الرئاسة بعائق مروري؛ وحينها لفت قائد الثورة الشهيد الانتباه إلى حرمة الأموال العامة، مذكّراً بأن هذا من «بيت المال»، وجرى تعويض الخسائر وإصلاح الضرر دون توجيه أي توبيخ للحاج عباس، لتتحول تلك الملاحظة في وجدانه إلى درس دائم في مراعاة الدقة والحساسية المفرطة تجاه حقوق الناس.
وفي إحدى الجولات، حين تجاوزت السيارة السرعة المحددة، انتبه قائد الثورة الشهيد للأمر وطلب من الحاج عباس الالتزام بالسرعة القانونية. ولم تكن هذه المواقف بالنسبة له مجرد تفاصيل عابرة في يوميات العمل، بل دروساً مستمرة في الانضباط للقانون، ورعاية حقوق الآخرين، وتجنب التسبب بأي إزعاج للناس.
وكان قائد الثورة الشهيد يشدد دوماً على أن حركة مواكب الحماية لا ينبغي أن تتسبب في مضايقة المواطنين؛ حيث وجّه الحاج عباس إلى أنه إذا كان من الضروري الوصول إلى الوجهة في الوقت المحدد، فيجب إجراء التنسيق المسبق لتفادي أي إرباك لحركة الناس. وتجلت هذه الحساسية في الزيارات التفقدية للمحافظات أيضاً؛ إذ كان قائد الثورة الشهيد يولي اهتماماً خاصاً للمواطنين المحتشدين خشية أن يسقط أحد أو يصاب بأذى نتيجة التدافع أمام الموكب.
وفي فترة معيّنة، كان الموكب يضم مرافقة بالدراجات النارية؛ لكن نظراً لما كان يسببه ذلك من توتر ورهبة لدى الناس، أمر قائد الثورة الشهيد بإلغاء مرافقة الدراجات النارية فوراً. وكان هذا القرار دليلاً ساطعاً للحاج عباس على أولوية راحة الناس؛ ففي نظره، لا تكتسب الخدمة قيمتها إلّا حين تصون راحة المجتمع وأمنه، بل إنه في إحدى الزيارات لقرية نائية ومحرومة، استُخدمت المروحية لتفقد أوضاع الأهالي عن قرب والاطلاع المباشر على معاناتهم.
كانت الأمانة وكتمان السرّ من أبرز الخصال التي تميز بها الحاج عباس؛ إذ تؤكد زوجته ونجله أنه كان شديد التحفظ والحرص في حديثه، ولا ينقل أي شأن سرّي حتى إلى أهل بيته. ولم يكن هذا الصمت نابعاً من برود، بل من وازع المسؤولية التي آمن بها. ويقول نجله السيّد محمود سعدآبادي عن والده: «كان والدي يلتزم أقصى درجات الانضباط وحفظ الأسرار في كلامه». فقد كان يدرك أن جوهر الخدمة يكمن أحياناً في «عدم البوح»، وأن يعرف المرء ما يجب أن يسمعه، وما يحفظه في صدره، وما يمتنع تماماً عن حمله معه إلى منزله.
أمضى شطراً كبيراً من حياته في المهام الرسمية، والسفر، والخدمة؛ غير أن تلك الانشغالات لم تحرم عائلته يوماً من عطفه واهتمامه. وفي إحدى المناسبات، قال قائد الثورة الشهيد للحاج عباس: «الحفيد لا يقتصر على حفيد الابن الذكر، بل تجب العناية بالحفيدة وتربيتها بنفس القدر من الحساسية والاهتمام».
ورسّخت هذه النظرة لدى الحاج عباس شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه أسرته وأبنائه وأحفاده، وكذلك تجاه عوائل الشهداء التي كان يكنّ لها احتراماً استثنائياً؛ فقد كان زميلاً دراسياً لشقيق زوجته، الشهيد محمد مهدي خوشنويسان، وعقب استشهاد الأخير في مهر عام 1359هـ.ش (تشرين الأول/ أكتوبر 1980م)، دأب الحاج عباس أسبوعياً على اصطحاب عائلة زوجته لزيارة مقبرة جنّة الزهراء(س)، ولم يكن ذلك مجرد إجراء شكلي، بل رابطاً وجدانياً عميقاً بأسرة الشهيد وتخليداً مستمراً للمسار الذي سلكه صديقه ورفيق دربه.
عقب سنوات طويلة من العطاء، وحين عزم الحاج عباس على التقاعد، قصد قائد الثورة الشهيد في آخر يوم عمل له مستأذناً في الانصراف، فسأله قائد الثورة الشهيد بتعجب: «لماذا بهذه السرعة؟»، ثم خاطب قائد فيلق حماية ولي الأمر آنذاك العميد جباري قائلاً: «ابقوا الحاج عباس معكم». وهكذا واصل خدمته لفترة أخرى، قبل أن يطلب منه جهاز الحماية لاحقاً الانتقال من القيادة المباشرة إلى إدارة وحدة النقل في مكتب القيادة. ولم يكن الحاج عباس يرى في المنصب أو اللقب غاية في ذاته، بل كان جلّ اهتمامه ينصب على أن يكون نافعاً ومؤدياً للمسؤولية الموكلة إليه على أكمل وجه.
كان الشهيد الحاج عباس سعدآبادي من ذلك الرعيل الذي نزل إلى الميدان منذ فجر الثورة، وخاض غمار جبهات الحرب المفروضة، وتحمل أعباء حماية الشخصيات، وخدم لعقود إلى جوار قائد الثورة الشهيد، محافظاً في كافة هذه المراحل على الأمانة، والالتزام بالقانون، والتواضع، ومحبة الناس. ولم تثنِ أحداث 9 إسفند 1404هـ.ش (28 شباط/ فبراير 2026م) من عزيمته أو تنل من أدائه لواجبه، حيث ظلّ مرابطاً في مكتب القائد، حتى ارتقى شهيداً بعد يومين فقط، في 11 إسفند 1404هـ.ش (2 آذار/ مارس 2026م)، جرّاء القصف المتجدد الذي طال محيط مقر القيادة، ليلتحق بسيّده وقائده الشهيد.
ويروي نجله أنه في لقائهما الأخير، قبل نحو ساعة من الضربة، بذل جهداً مضنياً لإقناع والده بالعودة معه إلى المنزل، غير أن الحاج عباس رفض بحزم، وحين نبّهه نجله إلى خطورة المكان وعدم أمانه، أجابه والده قائلاً: «لا تسلبني إيماني؛ فأنا لا أطيق العيش بعد استشهاد السيّد».
وتختزل هذه الكلمات عمق إيمان الحاج عباس وتعلقه بنهج الخدمة؛ وهو رجل قضى سني عمره في دروب الدفاع والحراسة والواجب، حتى بات في أيامه الأخيرة لا يطيق فراق سيّده ومولاه، لينال في ختام مسيرته أسمى أمانيه، ويبقى اسمه خالداً مقترناً بعقود من الوفاء إلى جانب قائده الشهيد.
