الأصول الروسية المجمدة تفجّر خلافات الغرب..

هل تنقلب ورقة الضغط على واشنطن وأوروبا لصالح موسكو؟

/ تكشف التطورات المتسارعة في الحرب الأوكرانية عن أزمة عميقة داخل المعسكر الغربي، تتجاوز حدود المواجهة العسكرية لتطال تماسك التحالفات السياسية، ومصداقية العقوبات الاقتصادية، ومستقبل النظام المالي الدولي. فبعد سنوات من الرهان على عزل روسيا وإضعاف قدرتها على مواصلة الحرب، تجد الولايات المتحدة وأوروبا نفسيهما أمام تساؤلات بشأن جدوى سياساتهما، في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية والسياسية للحرب، وتلوح في الأفق خلافات حول كيفية تمويل أوكرانيا إذا تراجع الدعم الأمريكي.
وفي قلب هذه الأزمة، تبرز مسألة الأصول الروسية المجمدة، التي تُقدّر بنحو 210 مليارات يورو داخل الاتحاد الأوروبي، بوصفها اختبارًا حقيقيًا لحدود القوة الغربية. فهل تستطيع أوروبا تحويل هذه الأموال إلى أداة لإنقاذ كييف، أم أن مصادرتها ستفتح جبهة اقتصادية وقانونية قد تتجاوز تداعياتها حدود الصراع الأوكراني؟ 
واشنطن وموسكو.. المصالح تتقدم على الشعارات
يثير الحديث عن اتفاق أمريكي روسي بشأن الديزل، وفقًا للتقرير المنشور في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على الجمع بين خطابها الداعم لأوكرانيا ومصالحها الاقتصادية الداخلية. فارتفاع أسعار الوقود والضغوط على المستهلك الأمريكي قد يدفعان الإدارة الأمريكية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، حتى لو تطلب ذلك التعامل بمرونة أكبر مع موسكو. وتكشف هذه المعادلة عن حقيقة تتجاهلها كييف أحيانًا في حساباتها السياسية: الدعم الأمريكي ليس التزامًا مفتوحًا بلا حدود، بل تحكمه المصالح الوطنية والحسابات الانتخابية وتوازنات القوة. فحين تتعارض متطلبات الحرب مع الضغوط الاقتصادية الداخلية، تصبح الشعارات المتعلقة بالدفاع عن أوكرانيا أقل قدرة على حسم القرار الأمريكي.
من وجهة النظر الروسية، يُمثل هذا التحول فرصةً لتأكيد أن سياسة الضغط الغربي لم تنجح في إلغاء المصالح المشتركة أو المتقاطعة بين واشنطن وموسكو. لكنه لا يعني بالضرورة قيام تحالف بين الطرفين؛ بل يكشف أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق المصالح المتغيرة. أما أوكرانيا، فتجد نفسها أمام معضلة متزايدة الصعوبة: كيف يمكنها مواصلة الحرب بينما يتوقف جزء أساسي من قدرتها الدفاعية على قرارات أمريكية لا تملك السيطرة عليها؟
الأصول الروسية المجمدة.. سلاح اقتصادي أم فخ قانوني؟
تبدو فكرة استخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل الدفاع الأوكراني جذابةً للدول الأوروبية التي تسعى إلى مواصلة دعم كييف من دون تحميل دافعي الضرائب أعباء إضافية. غير أن هذه الفكرة تصطدم بإشكالية جوهرية، تتمثل في أن تجميد الأموال لا يمنح تلقائيًا الحق القانوني في مصادرتها والتصرف بها.
فالأصول السيادية للبنوك المركزية تثير مسائل قانونية معقدة، وقد تؤدي مصادرتها نهائيًا إلى نزاعات دولية، فضلًا عن دفع دول أخرى إلى إعادة النظر في مدى أمان الاحتفاظ باحتياطياتها داخل المؤسسات المالية الغربية. وإذا ترسخ الاعتقاد بأن الأموال السيادية يمكن أن تتحول إلى أداة للضغط السياسي، فقد تتجه بعض الحكومات إلى تنويع احتياطياتها وتقليل اعتمادها على النظام المالي الأوروبي. وتزداد حساسية هذا الملف في ظل التباينات الأوروبية بشأن مصير الأصول الروسية المجمدة. وفي هذا السياق، تبرز المواقف المنسوبة إلى المستشار الألماني فريدريش ميرتس، قبيل قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل يومي 15 و16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بشأن إبقاء هذه الأصول تحت السيطرة الأوروبية، إلى جانب تقارير تحدثت عن مقترح أمريكي لنقل جزء منها إلى كيان مالي خاضع لإشراف واشنطن بهدف المساعدة في استئناف مفاوضات السلام. 
وإذا تأكدت هذه التقارير، فإنها ستكشف عن خلاف يتجاوز كيفية الضغط على موسكو، ليشمل الجهة التي تملك القرار بشأن الأصول المجمدة وكيفية توظيفها في أي تسوية محتملة. فبينما تسعى أوروبا إلى الاحتفاظ بنفوذها على هذه الأموال، قد تنظر واشنطن إليها من زاوية حساباتها التفاوضية الأوسع. وبالنسبة إلى موسكو، يمنح هذا التباين فرصةً سياسية لتسليط الضوء على التناقضات الغربية، كما يثير تساؤلات بشأن التداعيات القانونية والمالية طويلة الأمد لمصادرة الأصول السيادية.
أوروبا أمام اختبار الاستقلال.. ولكن بأي ثمن؟
تطالب أصوات أوروبية بتقليص الاعتماد على واشنطن، وتحمّل مسؤولية أكبر عن تمويل أوكرانيا وتسليحها. غير أن الاستقلال الاستراتيجي الذي تتحدث عنه العواصم الأوروبية ليس قرارًا سياسيًا يُعلن بسهولة، بل مشروع مكلف يتطلب موارد مالية وقدرات عسكرية وتوافقًا بين دول تختلف في مصالحها وتقديراتها للمخاطر.
فاللجوء إلى الأصول الروسية قد يوفر تمويلًا مهمًا لكييف، لكنه لا يضمن وحده تغيير موازين الحرب أو تحقيق انتصار عسكري. كما أن استمرار الإنفاق على التسليح والدعم المالي قد يفاقم الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن توزيع الأعباء، في ظل تفاوت القدرات الاقتصادية واختلاف المواقف من طبيعة العلاقة المستقبلية مع موسكو.
وتواجه أوروبا معادلة صعبة: إذا تراجعت واشنطن، فعليها إما تحمل تكلفة أكبر لدعم أوكرانيا، وإما القبول بتراجع قدرتها على التأثير في مسار الحرب. أما محاولة الجمع بين استمرار الدعم وتجنب تكاليفه السياسية والاقتصادية، فقد تتحول إلى سياسة مؤجلة للأزمة بدلًا من حلها.
ومن وجهة نظر روسيا، يشكل هذا التباين فرصة لتعميق الانقسامات الغربية، لا بالضرورة عبر تحقيق اختراق عسكري مباشر، بل عبر إطالة أمد الخلافات حول التمويل والعقوبات وحدود التصعيد. فكلما ازدادت كلفة الخيارات الأوروبية، أصبحت قدرة العواصم الغربية على الحفاظ على موقف موحد أكثر عرضة للاختبار.
أوكرانيا بين الاعتماد على الغرب واستنزاف الحرب
تواجه كييف تحديًا يتجاوز تأمين الأموال والأسلحة، إذ يرتبط استمرار قدرتها الدفاعية بتدفق المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا والإمدادات العسكرية من حلفائها. ولذلك، فإن أي تراجع في التعاون الأمريكي قد ينعكس على حساباتها الميدانية، ويجبرها على التعامل مع احتمالات كانت تأمل تجنبها. لكن المشكلة الأعمق تتمثل في أن اعتماد أوكرانيا على الدعم الخارجي يجعل قراراتها الاستراتيجية مرتبطةً إلى حد ٍكبير بأولويات العواصم الغربية. فإذا تغيرت الحسابات الأمريكية، أو تصاعدت الخلافات الأوروبية، فقد تجد كييف نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة بشأن شروط استمرار الحرب والتفاوض على إنهائها. وفي المقابل، لا يعني ذلك أن روسيا حققت نصرًا نهائيًا أو أن استمرار الحرب يصب في مصلحتها بلا تكلفة. فموسكو تواجه بدورها أعباء عسكرية واقتصادية، كما أن مسار الصراع يظل مفتوحًا على احتمالات متعددة.
غير أن التحولات في الموقف الغربي قد تمنحها هامشًا أوسع للمناورة، خصوصًا إذا تعذر على خصومها تحويل تفوقهم الاقتصادي الجماعي إلى استراتيجية موحدة ومستدامة. ختامًا، تكشف الأصول الروسية المجمدة مأزق الغرب بين إضعاف موسكو وحماية مصالحه المالية، فيما تمنح الانقسامات الأمريكية الأوروبية روسيا فرصةً لتعزيز موقعها الاستراتيجي وإعادة تشكيل موازين المواجهة.
البحث
الأرشيف التاريخي