كاتب وإعلامي فلسطيني لـ«الوفاق»:

استشهاد القادة لا يحسم المعركة.. و«طوفان الأقصى» أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة

/ لم يكن استشهاد يحيى السنوار مجرّد نهاية لمسيرة قائد فلسطيني، بل شكّل محطة مفصلية في مسار الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني، بما حمله من دلالات سياسية وميدانية ورمزية تجاوزت لحظة الاستشهاد نفسها، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات حول أثر استشهاد القادة في مسار المواجهة. أمّا عملية «طوفان الأقصى»، فقد أحدثت تحولات في معادلات الصراع، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، في ظل المواقف الدولية التي رافقت الحرب وتداعياتها. لمناقشة هذه المحاور، أجرت صحيفة «الوفاق» مقابلة مع الإعلامي والكاتب الفلسطيني برهان بدر، تناول فيها مسيرة الشهيد يحيى السنوار ودوره القيادي، وتداعيات «طوفان الأقصى» على القضية الفلسطينية، ودلالات استشهاد القادة وانعكاس ذلك على مسار المواجهة ومستقبل المقاومة.

من المخيم إلى القيادة.. تجربة الأسر وصقل الشخصية
في مستهل حديثه، وجّه الإعلامي والكاتب الفلسطيني برهان بدر التحية والاحترام والتقدير إلى القادة الشهداء الذين ارتقوا في غزة هاشم ولبنان واليمن وإيران والعراق، والذين ضحّوا بأرواحهم من أجل أن نحيا نحن بكرامة.
وبالعودة إلى حياة الشهيد القائد يحيى السنوار، أشار بدر إلى «أن حياة اللجوء في المخيم الذي وُلد فيه، بعد تهجير عائلته من مدينة مجدل عسقلان إثر احتلالها من العصابات الصهيونية، أسهمت إلى حدّ كبير في صقل شخصيته، لاسيّما أنه كان يرى بأُمّ عينه ما وصفه بالعنجهية والصلف والظلم والجور الصهيو-نازي بحق أهله وأبناء شعبه».
وأوضح «أن القائد الشهيد السنوار بدأ ممارسة دوره القيادي وهو لا يزال على مقاعد الدراسة، إذ شغل أكثر من منصب في مجلس الطلاب، إلى أن أصبح رئيسًا له في الجامعة الإسلامية، التي تخرّج فيها بعد حصوله على درجة البكالوريوس في اللغة العربية. ومع تأسيس حركة حماس، كان القائد الشهيد السنوار من أوائل المنتمين إليها، غير أنه اعتُقل عام 1989 من قبل الاحتلال، بتهمة قتل أربعة فلسطينيين لأنهم عملاء للاحتلال، وحكمت عليه المحكمة الصهيونية بالسجن أربعة مؤبدات، إضافة إلى 25 سنة، قضى منها 22 سنة في سجون الاحتلال، قبل إطلاق سراحه عام 2011 ضمن صفقة تبادل شاليط». وأوضح «أن القائد الشهيد السنوار عمل خلالها على تنمية قدراته الفكرية والثقافية والعسكرية والأمنية، وأن ما عايشه من ذلّ وإهانات وتعذيب تعرّض لها الأسرى والمعتقلون العرب في سجون الاحتلال زاد من حقده وضغينته تجاه الاحتلال والعملاء».
وتناول الإعلامي بدر دور القائد الشهيد السنوار في تعزيز الجهاز الأمني لحماس، المعروف باسم «مجد»، موضحًا أنه كان قد أسّسه عام 1985 تحت اسم «جهاز الأمن والدعوة». ورأى أن عوامل النشأة والاعتقال أسهمت إلى حدّ كبير في صقل شخصيته العسكرية والأمنية، مشيرًا إلى أن ما ميّزه هو تعامله مع الاحتلال بحنكة ودهاء، إذ كان يطلق بعض التصريحات التي تطمئن المحتلين وقيادتهم، إلى درجة أن البعض كان يشكّ أحيانًا في أنه رفع راية الاستسلام. وأضاف: «أن القائد الشهيد السنوار فرض على الصهاينة معادلات أمنية وعسكرية لم يشهدوها من قبل، حتى باتوا يتوجسون خيفة من كل ما حولهم». وتابع: أن العالم بأسره بات بعد «الطوفان المجيد»، على قناعة بأن «دولة إسرائيل» المزعومة قابلة للزوال، بعدما كان هذا الأمر شبه مستحيل قبل السابع من أكتوبر المجيد. وأكد أن تجربة السنوار الثورية ستظل راسخة في العقل الفلسطيني، وستستلهمها الشعوب الثائرة والتواقة إلى الحرية، معتبرًا أنها ستشكّل مدرسة ثورية تتعلم منها الأجيال القادمة.
«طوفان الأقصى».. كشف المواقف وإعادة القضية إلى الواجهة
وانتقالًا من تجربة السنوار ومسيرته إلى تداعيات «طوفان الأقصى»، وصف بدر العملية بأنها «لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل يمكن تسميتها بـ«الفاضحة» و«الكاشفة»، كما فضحت زيف ادّعاءات المجتمع الدولي بشأن حقوق الإنسان».
ورغم مجازر الإبادة التي تعرّض لها أهلنا في غزة وجنوب لبنان الأغرّ، شدّد الإعلامي بدر على أن «الطوفان» غيّر وجه العالم، معتبرًا أنه «يمكن القول إن التاريخ الحديث قد بدأ به». وفي هذا الإطار، أشار إلى أنه «باستثناء حزب الله في لبنان الذي سارع إلى فتح جبهة إسناد لغزة، وتلاه اليمن والعراق وإيران، فإن بعض حُكّام الأمّة تآمروا على غزة وأهلها ومقاومتها، فيما تخاذل بعضهم الآخر عن نصرتها»؛ لكنه لفت، في المقابل، إلى أن الشعوب الأوروبية والأميركية لم تتأخر عن نصرة غزة، مستشهدًا بالتحركات والانتفاضات التي شهدتها بعض الجامعات. كما اعتبر «أن الجيل الذي سيتولى حكم تلك البلدان مستقبلًا بات يعرف حقيقة الصهاينة، بعدما شاهد بأُمّ عينه ما وصفه بالنازية والفاشية والإجرام». ورأى في ذلك مؤشرًا إيجابيًا ودليلًا على أن «الطوفان» غيّر وجه التاريخ والجغرافيا. وفي سياق حديثه عن مكانة القضية الفلسطينية عالميًا، أوضح الإعلامي بدر أنه بعد أن القضية كانت في ذيل قائمة القضايا العالمية؛ ولکن أعادها «الطوفان» إلى واجهة الأحداث، مشيرًا إلى بروز مواقف بعض الدول والحكومات المؤيدة للحق الفلسطيني والرافضة للممارسات الصهيونية، وقال: «أن هذه المواقف لا تربك الصهاينة فحسب، بل تكشف هشاشتهم وضعفهم، وتُظهر مدى الرفض الشعبي لهم في أنحاء مختلفة من العالم».
الاستشهاد في الميدان.. رمزية تتجاوز الاغتيال واستمرار المواجهة
أمّا في ما يتعلق باستشهاد القادة ودلالاته، فقد أكد بدر «أن القائد الحقيقي يعرف في قرارة نفسه أن أمامه خيارين لا ثالث لهما: إمّا النصر أو الشهادة»، مضيفًا: «أن ما حصل في غزة ولبنان والعراق واليمن وإيران يشكّل شاهدًا على النهج الذي ينتمي إليه هؤلاء القادة».
وفي هذا السياق، رأى أن استشهاده وهو يقاتل جعله «أيقونة»، ليس لدى الشعب الفلسطيني فحسب، بل لدى ثوّار العالم وأحراره أيضًا، رغم ما وصفه بمحاولات ممنهجة لتشويه صورته من بعض مشايخ السوء والأقلام الصفراء. وأشار إلى أن مجرد ذكر اسمه، رغم استشهاده، يرعب الصهاينة ويذكّرهم بجبنهم وخيبتهم وهزيمتهم.
وفي المقابل، شدّد على «أن اغتيال القادة لا يعني بالضرورة تحقيق الانتصار»، موضحًا أن خلف القادة الشهداء يظهر قادة آخرون لا يقلّون عنهم بأسًا وقوة وشجاعة وإصرارًا على تحقيق النصر.
وأكد أن «الانتصار الحقيقي يتحقق بإنجاز الأهداف التي انطلقت الحرب من أجلها، وليس عبر عمليات الاغتيال هنا أو هناك. وانطلاقًا من هذا المعيار، أن عجز الاحتلال عن تحقيق أهدافه المعلنة في حربه ضدّ المقاومة في غزة هاشم ولبنان، وفي مقدّمتها نزع السلاح، يعني أنه لن يحقق النصر، بمشيئة الله».
البحث
الأرشيف التاريخي