خبيرة في علم الاجتماع السياسي لـ«الوفاق»:

السنوار هزّ أركان الردع الصهيوني.. و«طوفان الأقصى»كشف هشاشة جيش الاحتلال

في الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد القائد يحيى السنوار، تعود إلى الواجهة سيرة قائد ارتبط اسمه بعملية «طوفان الأقصى»، التي أحدثت تحوّلًا بارزًا في مسار الصراع مع العدو الصهيوني. ومن قلب الميدان، حيث ارتقى السنوار شهيدًا، إلى وجدان الشعب الفلسطيني، بقيت حكايته حاضرةً في ذاكرة الصراع، بما تحمله من دلالات على إرادة شعبٍ يواجه الحرب والخسائر، ويتمسّك بقضيته وحقه في الحرّية. وفي هذا السياق، أجرت صحيفة «الوفاق» مقابلة مع الخبيرة في علم الاجتماع السياسي، الدكتورة ليلى صالح، تناولت خلالها العوامل التي أسهمت في تشكيل شخصية القائد السنوار الأمنية والعسكرية والفكرية، ودلالات عملية «طوفان الأقصى» وانعكاساتها على مسار الصراع، فضلًا عن رمزية استشهاده في الميدان وما تركته تجربته من تساؤلات بشأن مستقبل القضية الفلسطينية والمقاومة.

عبير شمص

من الأسر إلى القيادة.. بناء العقل الأمني
أكدت الدكتورة ليلى صالح أن «القائد الشهيد السنوار يُعدّ أحد أبرز الشخصيات القيادية في تاريخ حركة حماس الفلسطينية المعاصرة، وقد تداخلت ثلاثة عوامل رئيسية في بناء شخصيته الأمنية والعسكرية والفكرية، جعلت منه قائدًا استثنائيًا ارتبط اسمه بتحولات استراتيجية عميقة في مسار مقاومة الاحتلال، وصولًا إلى محطات فارقة أعادت صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة. فقد عاش مرارة النشوء واللجوء؛ إذ وُلد في مخيم للاجئين في خان يونس، ونشأ في أجوائه، ثم انخرط في النشاط الإسلامي في الجامعة الإسلامية بغزة، التي صقلت وعيه الفكري والسياسي بأدبيات حركة حماس الإسلامية التحررية. وفي ظل التهديد الصهيوني المستمر، أسّس مبكرًا جهاز الأمن والدعوة «مجد» لملاحقة العملاء وتأمين الجبهة الداخلية. وتميّز عقله بمزيج من الواقعية السياسية والجرأة العسكرية غير التقليدية، إلى جانب قضائه أكثر من عقدين في السجون، حيث تعلّم اللغة العبرية وترجم كتبًا لمديرين سابقين في الشاباك وأجهزة الاستخبارات، الأمر الذي منحه عقلية أمنية صارمة ودقيقة، قادرة على دراسة عقلية المجتمع والمؤسسة الأمنية الصهيونية من الداخل، وكشف آليات الاختراق الصهيوني وكيفية مواجهتها، عبر قراءته قرارات قادة الاحتلال والتنبؤ بسلوكهم السياسي والعسكري».
وأضافت الدكتورة صالح: أن «القائد الشهيد السنوار أدرك نقاط ضعف الاحتلال، كما أدرك أن قوة المقاومة تكمن في الربط بين الساحات، فرفض حصر قطاع غزة في معادلة «الهدوء مقابل الغذاء»، بل عمل على ربط غزة بملفات القدس والضفة الغربية والأسرى. وقد تجلّى ذلك في معركة «سيف القدس» عام 2021، التي نقلت المقاومة من موقع الدفاع وانتظار الضربات «الإسرائيلية» إلى موقع المبادرة والمفاجأة الاستراتيجية، متبنّيًا عقلية الهجوم لكسر الجمود السياسي والحصار المفروض على القطاع».
«طوفان الأقصى».. إخفاق استخباراتي وتحوّل استراتيجي
وفي حديثها عن عملية «طوفان الأقصى»، أوضحت الدكتورة صالح أن «مرحلة ما قبل الطوفان تميّزت بمسار إقليمي صهيوني - عربي متسارع لإعادة تشكيل المنطقة، عبر دمج الكيان المؤقت فيها عبر «المشروع الإبراهيمي»، على حساب تهميش متعمّد للقضية الفلسطينية، بالتوازي مع استمرار حصار غزة وتصاعد التهويد في مدينة القدس المحتلة والضفة الغربية». واعتبرت «أنه لم يكن السابع من أكتوبر بداية الحكاية؛ فالقراءة المتأنية للعملية ضمن سياقها التاريخي الممتد تُظهر أن التخطيط لعمليات اختراق واسعة ومعقّدة فاجأ المنظومة الاستخبارية الصهيونية، وكشف عن هشاشة منظومة الإنذار المبكر والردع والقدرة على الحسم السريع، وهي الأسس التي نهض عليها الكيان المؤقت عقودًا طويلة».
وأضافت: أن «هذه العملية شكّلت تحوّلًا في طبيعة المواجهة، إذ انتقلت المعركة بشكلٍ واسع إلى داخل مناطق السيطرة الصهيونية، وأثارت تساؤلات بشأن منظومة الردع والإنذار المبكر الصهيونية. وسقطت معها مقولة «الجيش الذي لا يُقهر» من الوعي الجمعي «الإسرائيلي»، كما أدّى هذا الانتقال إلى كشف الوجه الحقيقي للاحتلال، وإظهار ممارساته أمام العالم».
وفي المقابل، أشارت الدكتورة صالح إلى حجم الدمار والمعاناة الإنسانية في قطاع غزة، وما رافقهما من تداعيات على صورة كيان الاحتلال في الرأي العام العالمي. ولفتت إلى حجم الدمار الشامل غير المسبوق الذي طال البنى التحتية والمنازل، بنسب تفوق 90% في غزة، وإلى ما وصفته بنزعة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، معتبرةً أن الاحتلال سعى بواسطة ذلك إلى إيصال رسالة يأس مفادها أن «كلفة المقاومة هي الفناء». وفي المقابل، رأت أن «صمود مجتمع غزة، وثبات الموقف المقاوم، وإرادة أحرار العالم، أسهمت في دفع ملف جرائم الاحتلال إلى أروقة المحاكم الدولية، في سياق الاتهامات الموجّهة إليه بارتكاب جرائم حرب، كما أدّت إلى تراجع احتكاره للرواية الأمنية أمام الرأي العام العالمي».
الاستشهاد في الميدان.. رمزية تتجاوز الاغتيال
وفي ما يتعلق بنهاية مسيرة القائد الشهيد السنوار في ميدان المواجهة، أكدت الدكتورة صالح أن «تصفية القادة، وإن كانت تمثّل إنجازًا تكتيكيًا ونفسيًا للطرف الذي ينفّذها، لا تشكّل وحدها معيارًا للحكم على نتائج الحروب أو مدى تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية. وتكاد التحليلات السياسية والعسكرية تجمع على أن تصفية القادة تُعدّ إنجازًا تكتيكيًا ونفسيًا مهمًا؛ لكن تداعيات استشهاد القادة في محور المقاومة لا تمثّل بحد ذاتها معيارًا لنجاح الحرب. وقد شكّلت شهادة القائد السنوار وهو مشتبك في ميدان المواجهة المباشرة بمدينة رفح محطة رمزية واستراتيجية بالغة الأهمية، في ظل مشهد فلسطيني وإقليمي شديد التعقيد. فبين صدمة استراتيجية كسرت معادلات ممتدة، وتضحيات إنسانية ومادية تُعدّ من الأقسى في تاريخ الشعب الفلسطيني الحديث، تعدّدت القراءات بشأن دلالات هذه النهاية وتأثيرها في الوعي الجمعي».
وأضافت: أن «تصفية القائد الشهيد السنوار وفّرت لكيان الاحتلال ما اعتبره صورة نصر نفسية وسياسية، في حين اكتسبت مشاهد لحظاته الأخيرة دلالات مختلفة لدى قطاعات من الفلسطينيين والعرب. فمن الصحيح أن اغتياله وفّر للكيان الغاصب صورة النصر النفسية والسياسية التي بحث عنها، عبر سردية انتصار عملياتي اعتبر فيها نتنياهو اغتيال السنوار، الذي صُنّف مهندسًا لعملية «طوفان الأقصى»، إنجازًا ونجاحًا تاريخيًا، وفرصة لبداية «اليوم التالي» من دون حكم حماس في غزة».
وتابعت: أن «الصورة الأخيرة التي بثّها جيش الاحتلال للقائد السنوار، وهو يرتدي جعبته العسكرية ويقاتل في الصفوف الأمامية فوق الأرض في رفح، لا مختبئًا في نفق أو خلف الدروع البشرية كما زعمت الدعاية الصهيونية سابقًا، كان لها أثر بالغ في تعزيز مكانته القيادية الرمزية. وقد انتقد محللون صهاينة هذا المشهد، معتبرين أنه أسهم في خلق أزمة إعلامية؛ إذ ظهر السنوار في الوعي الفلسطيني والعربي بمظهر المقاتل الشجاع، ما حدّ من قدرة «إسرائيل» على ترسيخ صورة انتصار نفسي حاسم تكسر إرادة الخصم. ويُشار أيضًا إلى أن اغتياله جاء خلال اشتباك ميداني، ولم يكن نتيجة عملية استخباراتية دقيقة لتحديد مكانه، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن الإخفاق الأمني في تعقّبه طوال عام من الحرب».
وفي ختام حديثها، لفتت الدكتورة صالح إلى أن «مشهد السنوار وهو يرمي المسيّرة الصهيونية بعصا في لحظاته الأخيرة اكتسب رمزية لدى قطاع من الفلسطينيين ومؤيدي المقاومة، كما أثار نقاشًا بشأن أثر غياب القيادات في مستقبل المواجهة. فقد نظر قطاع واسع من الفلسطينيين والمؤيدين للمقاومة إلى هذا المشهد بوصفه رمزًا للتحدي والقتال حتى الرمق الأخير، ما حوّله في الوعي الجمعي إلى أيقونة تتجاوز الإطار الحزبي الضيق». وأضافت: أن «خبراء ومحللين رأوا أن طريقة استشهاد القائد الشهيد السنوار في الميدان لم تُضعف الروح القتالية، بل منحت عناصر المقاومة حافزًا إضافيًا لمواصلة القتال وصياغة تكتيكات دفاعية جديدة. وهذا ما نجده في تأكيد البيانات الرسمية لفصائل المقاومة، وفي مقدمتها كتائب القسام، أن غياب القادة لا يعني نهاية المعركة، فضلًا عن أن التجربة الميدانية لحركة حماس تُظهر أنها حركة مقاومة مؤسساتية تعتمد على بنية تنظيمية قادرة على إفراز قادة جدد بانتظام».

البحث
الأرشيف التاريخي