الشارع مرآةً لفشل السلطة

فرنسا في خريف الغضب.. شارع يغلي وسلطة محاصرة وأزمة دولة تتفاقم

/ لم تعد الاحتجاجات التي تعصف بفرنسا مجرد تحرك طلابي احتجاجاً على اكتظاظ الفصول أو نقص المدرسين أو تهالك المباني المدرسية. فهذه المشكلات ليست سوى شرارة لأزمة أعمق تراكمت على مدى سنوات، في مجتمع يشعر بأن الدولة تطالبه بمزيد من الصبر، فيما تتراجع قدرتها على تقديم الخدمات التي يعدّها الفرنسيون حقوقاً أساسية لا امتيازات. حين ينزل الطلاب إلى الشوارع، ثم يلتحق بهم المعلمون والنقابات وأولياء الأمور، وتتسع المطالب لتشمل القدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية ومستقبل الدولة، تتحول الأزمة من شأن تعليمي إلى اختبار للثقة بالسلطة.
وهنا تكمن المعضلة أمام إيمانويل ماكرون وحكومته: كيف يمكن احتواء الغضب وإقناع الفرنسيين بأن الدولة لا تزال قادرة على الاستجابة لمطالبهم؟
من المدرسة إلى الدولة.. حين يصبح التعليم عنواناً لأزمة أكبر
المدرسة الفرنسية لم تصنع الأزمة، لكنها كشفتها. فالفصول المكتظة ونقص المدرسين وتدهور المباني مؤشرات تكشف قدرة الدولة على الحفاظ على نموذجها الاجتماعي.
فالطالب الذي لا يجد في مدرسته الظروف التي يتوقعها يرى فجوة بين أولوية التعليم في الخطاب الرسمي وواقعه اليومي، فيما يواجه المعلمون نقص الموظفين والموارد.
ولا تكفي الوعود بالحوار أو المبادرات الرامية إلى الاستماع للطلاب. فالحوار لا يكتسب مصداقيته إلا إذا تُرجم إلى إجراءات واضحة تعالج أسباب الأزمة وتوفر الموارد اللازمة للتنفيذ.
حكومة محاصرة بين الشارع والخزينة
المأزق الحقيقي للحكومة الفرنسية أن المشكلة الاجتماعية جاءت في وقت تتزايد فيه القيود المالية. ففرنسا تواجه ديناً عاماً مرتفعاً وضغوطاً متزايدة على الموازنة وارتفاعاً في تكلفة الاقتراض، في وقت تحتاج فيه قطاعات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية إلى مزيد من الإنفاق لا إلى تخفيضه. وقد توقعت وزارة المالية الفرنسية أن يبلغ الدين العام نحو 119.3% من الناتج المحلي في 2026، مع ارتفاعه إلى 121.7% في 2027، بينما تستهدف الحكومة توفير عشرات مليارات اليورو ضمن موازنة العام المقبل. هذه الأرقام تفسر جزءاً أساسياً من ضيق هامش المناورة أمام الحكومة. فالإنفاق يعني زيادة الضغط على المالية العامة، والتقشف لضبط الدين يعني زيادة الاحتقان الاجتماعي. وهكذا وجدت الحكومة نفسها أمام معادلة لا تملك لها حلاً سهلاً: المجتمع يريد دولة أقوى، بينما الواقع المالي يفرض قيوداً على الإنفاق.
ولا تعفي التراكمات المالية الحكومات القائمة من مسؤولية إدارة ما ورثته، وترتيب الأولويات وتوزيع الأعباء بعدالة.
«الماكرونية»  أمام اختبارها الأصعب
عندما وصل إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه، قدم نفسه باعتباره البديل عن الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، ومشروعاً لتحديث فرنسا وإعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها.لكن السنوات التالية أظهرت حدود هذا المشروع. 
فبدلاً من أن تختفي الانقسامات، استمرت في أشكال مختلفة، وشهدت فرنسا موجات احتجاج متعاقبة، من «السترات الصفراء» إلى احتجاجات التقاعد وصولاً إلى الحراك الحالي.
ولا يعني ذلك أن ماكرون مسؤول عن كل مشكلة فرنسية، لكن الأزمات المتراكمة أصبحت تُقرأ لدى قطاعات من المجتمع بوصفها جزءاً من حصيلة عهده. الأخطر أن «الماكرونية» فقدت جزءاً من ميزتها الأساسية: قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها قوة وسط قادرة على تجاوز الاستقطاب. ومع غياب أغلبية برلمانية مستقرة، أصبح الحكم أكثر صعوبة. وهكذا لم ينجح مشروع تجاوز الاستقطاب في منع تعمقه، فيما بات تمرير الإصلاحات أكثر عرضة للمواجهات السياسية والاجتماعية.
عندما تتقدم الشرطة على السياسة
تزداد خطورة الأزمة عندما تنتقل من المطالب الاجتماعية إلى المواجهة مع أجهزة الأمن. فالاحتجاج يمكن أن يبقى سياسياً ما دام النقاش يدور حول التعليم والموازنة والخدمات العامة. لكنه يصبح أكثر حساسية عندما يسقط مصابون ويُعتقل متظاهرون، وخصوصاً عندما يكون جزء من المحتجين من القاصرين. عندها يتجاوز السؤال أسباب تدهور الخدمات إلى كيفية تعامل الدولة مع مواطنيها عندما يحتجون.
وهذه نقطة لا تستطيع الحكومة حسمها بالقوة وحدها. فالإجراءات الأمنية قد تحدّ من الاحتجاج مؤقتاً، لكنها لا تعالج نقص المدرسين أو تدهور المدارس أو تراجع الثقة بالمؤسسات. وقد يؤدي الإفراط في استخدامها إلى توسيع دائرة الغضب بدلاً من احتوائها.
ماكرون في نهاية الطريق السياسي
يدخل ماكرون المرحلة الأخيرة من ولايته في وضع شديد التعقيد. فهو لا يستطيع الترشح لولاية رئاسية ثالثة، فيما تستعد القوى السياسية لمعركة خلافته، وتتحول كل أزمة اجتماعية إلى جزء محتمل من الحساب الانتخابي المقبل.
هل سيكون إرثه إصلاح الدولة وتحديث الاقتصاد؟ أم سيبقى في ذاكرة الفرنسيين مرتبطاً بسلسلة من الأزمات الاجتماعية والسياسية التي لم تجد حلولاً نهائية؟ الإجابة لن تتحدد بالخطابات الرئاسية وحدها، بل بقدرة السلطة في الأشهر المقبلة على الانتقال من سياسة احتواء الأزمات إلى سياسة معالجة جذورها. فالمطلوب ليس تسوية مؤقتة، بل استجابة تثبت أن الدولة قادرة على تحويل المطالب إلى سياسات ملموسة.
من يدفع ثمن الفراغ السياسي؟
عندما تفقد السلطة الوسطية قدرتها على الإقناع، لا يبقى الفراغ فارغاً. اليمين المتطرف يستطيع تحويل الغضب المرتبط بالهجرة والأمن والاقتصاد إلى مشروع سياسي، فيما يستطيع اليسار الراديكالي تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى مواجهة مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.
وهذه هي المفارقة السياسية الأهم: قد تنجح الحكومة في تهدئة الاحتجاج الحالي، لكنها لا تستطيع بذلك وحده إعادة الثقة بالنظام السياسي. فعودة المدارس إلى العمل لا تعني بالضرورة زوال أسباب الاستياء. ولهذا فإن الأزمة الحالية قد تكون أكبر من عمر الحكومة نفسها.
فرنسا ليست وحدها في الاختبار
لا يمكن النظر إلى الأزمة الفرنسية باعتبارها شأناً داخلياً محضاً. ففرنسا واحدة من ركائز الاتحاد الأوروبي، وأي اضطراب مالي أو سياسي طويل فيها سينعكس على التوازن الأوروبي.
فإذا اختارت باريس الإنفاق الاجتماعي الواسع، ستواجه سؤالاً حول قدرتها على السيطرة على الدين والعجز. وإذا اختارت التقشف، ستواجه سؤالاً حول قدرتها على الحفاظ على نموذج الدولة الاجتماعية. لهذا فإن الأزمة الفرنسية تحمل سؤالاً أوروبياً أيضاً: هل تستطيع أوروبا الحفاظ على دولة الرفاه التي بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها بعد الحرب، في وقت تتزايد فيه الديون والنفقات الدفاعية والضغوط الاقتصادية؟
ختاماً، لا تكمن خطورة الأزمة الفرنسية في عدد المتظاهرين الذين يملؤون الشوارع، ولا في قدرة الشرطة على تفريقهم، بل في اتساع الفجوة بين ما ينتظره المواطنون من دولتهم وما يجدونه في حياتهم اليومية. فحين يصبح التعليم موضع قلق، والخدمات الاجتماعية عرضة للتراجع، والقدرة الشرائية مصدر ضغط مستمر، لا تعود الاحتجاجات مجرد موجة غضب عابرة، بل تتحول إلى إنذار سياسي واجتماعي يصعب تجاهله. ولا تقف تداعيات هذا الاختبار عند حدود فرنسا، إذ تطرح الأزمة سؤالاً أوسع بشأن مستقبل النموذج الاجتماعي الأوروبي وقدرة الحكومات على التوفيق بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية. وبين ضغوط الديون وتصاعد المطالب الشعبية، سيكون على باريس أن تثبت أن حماية المالية العامة لا تستلزم التضحية بالحقوق الاجتماعية، وأن الحفاظ على الاستقرار لا يتحقق بإسكات الاعتراض، بل بمعالجة أسبابه.
البحث
الأرشيف التاريخي